جوزي بيتغدى كل يوم عند أمه.. منى السيد

لمحة نيوز

ليه يا طارق؟
سألته ودموعي بدأت تنزل غصب عني
ليه خبيت عليا؟ وليه كملت الجواز وأنت عارف؟ وليه كل يوم تكدب وتقول رايح لأمك؟!
رفع وشه وبصلي، كانت عينيه حمرة زي الدم، وشكله كبر عشر سنين في دقايق
عشان كنت جبان!
قالها بصوت مبحوح
كنت مرعوب.. يوم ما عملت التحاليل قبل الفرح وعرفت بموضوع الورم، الدنيا ضلمت في وشي. الدكتور ساعتها قالي الورم حميد وصغير وممكن يتعالج بإشعاع مكثف ومتحتاجش جراحة، قولت لنفسي مش هبوظ فرحة عمري وفرحتك وفرحة أمي، هتعالج في السر والموضوع هيخلص وخلاص.
مسح وشه بكف إيده وكمل
اتجوزتك وأنا بتمنى معجزة، بس العلاج مجابش نتيجة.. بالعكس، الورم بدأ يكبر، وبدأ يضغط على عيني، مبقتش بشوف كويس، والصداع كان بيخليني أهاتي بالليل وأنا عامل نفسي نايم. كنت بخرج كل يوم الضهر، أقولك رايح لماما عشان أنزل أعمل جلسات وأتابع هنا وأنا عارف إنك في الشغل ومامتك في بيتها ومحدش هيحس بيا.
وأمك؟!
سألته بحرقة
مامتك اللي كنت واخدها ستار؟! مدخلتهاش في وجعك ليه؟
ضحك ضحكة يائسة وموجوعة
أمي ضغطها بيعلى من أقل خبر، وأبويا مات بنفس المرض من عشر سنين قدام عينيها.. لو كانت عرفت إن ابنها الوحيد عنده ورم في دماغه كانت ماتت فيها قبل ما أدخل العمليات! كنت بستخبى ورا اسمها عشان عارف إن محدش هيشك.. مين هيشك في راجل رايح ياكل من إيد أمه؟!
الأوضة غرقت في صمت تقيل.
كنت حاسة بمشاعر متلخبطة بطريقة متتوصفش؛ غضب أعمى من كدبه وأنانيته إنه دخلني معاه في طريق مجهول من غير إذني، ووجع وحزن يقطعوا القلب على ضعفه وحمله اللي شاله لوحده.
قربت منه، وقعدت على الكرسي اللي جنبه.
طارق.. العملية دي نسب نجاحها إيه؟
طارق بص للدكتورة ميار ومردش.
الدكتورة اتنهدت وقالت
العملية دقيقة جداً يا ياسمين، نسبة نجاحها 60 لإزالة الورم بدون مضاعفات على العصب البصري، بس لو اتأخرت أكتر من كده.. النسبة بتقل والمخاطر بتزيد.
مسكت إيد طارق.. كانت ساقعة متلجة.
ميعاد العملية امتى بالظبط؟
طارق بصلي بذهول، كأنه مكنش متوقع رد فعلي ده
التلات الجاي.. الصبح بدري.
وكنت ناوي تعمل إيه ساعتها؟ كنت هتقولي مسافر مؤتمر تبع الشركة برضه؟!
سألته بعتاب حاد بس جواه حنية الزوجة اللي حست بالخطر على جوزها.
نكس راسه ومردش.
خلاص يا طارق.. الفيلم ده خلص لحد هنا.
قولتها وأنا بمسح دموعي وبقف
هتروح معايا البيت دلوقتي، ومفيش خروج ولا كدب تاني. وأمك هتعرف.
طارق اتفزع وقام وقف
لا يا ياسمين! أمي لا! أبوس إيدك، أمي لو عرفت هتتكسر!
أمك لازم تعرف عشان تدعيلك، وعشان هي أمك وليها حق عليك زي ما أنا ليا حق.. بس مش هنقولها كل حاجة تخضها، هنفهمها إنها عملية بسيطة لإزالة كيس دهني ضاغط على عصب، وأنا اللي هبقى معاك خطوة بخطوة.
بصلي وهو مش مصدق، عينيه لمعت بنظرة امتنان مخلوطة بندم حقيقي
أنتي.. أنتي مش زعلانة مني يا ياسمين؟ بعد كل اللي عملته؟
بصيتله بجمود وحزم
أنا زعلانة منك لدرجة مش قادرة أوصفهالك يا طارق، ومصدومة فيك إنك استغفلتني وحرمتني من حقي إني أختار، وخليتني أشك في نفسي وفي بيتي.. بس حسابنا ده بعدين، لما تخرج من أوضة العمليات دي سليم وواقف على رجليك، ساعتها هحاسبك على كل كدبة قولتها، من أول شوربة العدس لحد انهارده!
رجعنا البيت، والجو كان تقيل، بس على الأقل الحقيقة مكنتش مستخبية في الضلمة.
طارق كان مستسلم تماماً، التوتر اللي كان عايش فيه شهور اتفك، وقعد على السرير ونام لأول مرة من غير ما يتقلب، كأنه كان مستني حد يكتشف سره ويريح باله.
أنا منمتش..
فضلت قاعدة في الصالة، باصة للورق وللتحاليل، وبحاول أستجمع قوتي للي جاي.
الساعة كانت تمانية الصبح لما قررت أتصل بطنط نادية عشان أمهدلها الموضوع قبل ما ترجع من إسكندرية.
مسكت التليفون وطلبت رقمها..
الخط رن مرتين، وتلاتة، وبعدين فتحت
ألو.. ياسمين يا بنتي؟ صباح الخير.
صباح النور يا طنط.. حمد الله على سلامتك، وصلتي بالسلامة؟
صوت طنط نادية كان فيه نبرة غريبة، مش زي عادتها، نبرة باردة ومرتبكة
أه يا بنتي، وصلت بالليل متأخر.. خير، في حاجة؟ طارق كويس؟
طارق نايم يا طنط، بس كنت حابة أقول لحضرتك على موضوع كده بخصوص...
وقبل ما أكمل كلامي، سمعت صوت راجل في الخلفية عندها في التليفون.. صوت كان عالي كفاية ومألوف جداً لدرجة خلتني أتجمد في مكاني!
الصوت كان بيقول
يا نادية، متنسيش الدوا بتاعك، وخليكي فاكرة إن الورق لازم يتبعت للمحامي قبل يوم التلات عشان نضمن إن طارق ميكتبش الشقة باسمها قبل ما يدخل العمليات!
التليفون وقع من إيدي على السجادة..
طنين فظيع ملى وداني، وعيني وسعت من الصدمة.
طنط نادية.. حماتي.. كانت عارفة بموضوع العملية من البداية؟!
وكانت متفقة مع حد يضمنوا بيه الشقة والورث قبل ما يدخل العمليات؟!
بصيت ناحية باب الأوضة اللي طارق نايم فيها زي القتيل، وحسيت إن الأرض بتسحبني لتحت..
الكدبة مطلعتش كدبة طارق لوحده، دي كانت مؤامرة عيلة كاملة، واللي جاي مكنش بس معركة مع مرض، ده كان فخ معمول بحساب ومستني لحظة الصفر!
الفصل الأخير الحساب.. وسقوط الأقنعة
التليفون فضل مرمي على السجادة، وصوت طنط نادية طالع منه مخنوق ومكتوم وهي بتنادي ألو؟ ياسمين؟ سامعاني يا بنتي؟ ألو؟
فضلت باصة للشاشة المنورة وهي بتطفي ببطء، وحسيت فجأة إن الهوا في الشقة بقى سخن وخانق زي السم. الراجل اللي كان بيتكلم في الخلفية.. الصوت ده أنا حفظاه ومستحيل أتلخبط فيه، ده عماد، خال طارق والوصي على كل صغيرة وكبيرة في أملاك العيلة، الراجل اللي كان دايماً في قعدة كتب الكتاب باصصلي بتعالي كأني جاية أطمع في فلوسهم.
يعني الحكاية مش راجل تعبان شايل همه لوحده والمرعوب على مشاعر أمه؟
الحكاية إن أمه وخاله عارفين كل تفصيلة، عارفين إنه داخل عملية دقيقة بين الحياة والموت، وبدل ما كل همهم يكون سلامته ودعواتهم ليه، كان همهم الأول والأخير الورق.. الشقة.. وحقي أنا كزوجة!
وطارق؟ يا ترى طارق كان شريك في خطتهم الحقيرة دي عشان يحميني من الورث زي ما هما فاكرين؟ ولا هو كان الكارت الخسران في لعبة أمه وخاله، ومستغفلينه زي ما استغفلني؟
وطيت، شيلت التليفون بهدوء مرعب، قفلته خالص، وحطيته في جيبي.
دخلت الحمام، غسلت وشي بمية متلجة، وبصيت لنفسي في المراية. الست الطيبة، الساذجة، اللي كانت بتبكي من ساعة بس على مرض جوزها، ماتت ورا الباب ده. دلوقتي مفيش غير واحدة لازم تفرز الأبيض من الأسود، وتحمي كرامتها وحقها وسط عصابة متنكرة في شكل أهل.
خرجت من الحمام، لقيت طارق صحي من النوم، قاعد على طرف السرير، ماسك راسه من الصداع، وباصصلي بعينين فيها نظرة استسلام غريبة.
صباح الخير يا ياسمين..
قالها بصوت مبحوح.
قعدت على الكرسي اللي قدامه، وشبكت إيديا في بعض
صباح النور يا طارق. الصداع خف شوية؟
هز راسه بنفي
تقيل أوي النهاردة.. بس الحمد لله على كل حال. أنا فكرت في كل كلمة قولتيها امبارح، وعارف إني ظلمتك، ونفسي أصلح أي حاجة قبل ما أدخل المستشفى.
بصيت في عينيه مباشرة، وحاولت أقرأ كل حركة في ملامحه
عايز تصلح إيه بالظبط؟
كل حاجة..
مسك إيدي، وإيده كانت لسه باردة
أنتي ملكيش ذنب في القرف ده كله، أنا اللي خفت أصارحك تسبيني قبل الفرح، وخفت لما المرض زاد تقولي مش هكمل مع واحد عقيم ومفلوج في حركته. أنا كدبت عشان كنت عايز أعيش معاكي الست شهور دول كأني إنسان طبيعي، مش عاجز مستني رحمة حد.
نبرة صوته كانت صادقة لدرجة توجع، مفيش فيها تمثيل. طارق كان ضحية خوفه وعقده النفسية، بس مكنش عارف المصيبة اللي بتتدبر ورا ضهره.
سحبت إيدي بالراحة وقولتله
طارق.. خالك عماد بيكلمك في موضوع الشقة دي قريب؟
طارق رمش كذا مرة، وشه اتلخبط باستغراب حقيقي
خالي عماد؟ لا.. هيكلمني في إيه؟ الشقة دي مسجلة باسمي، وأنا شاريها بفلوسي ومكافأة نهاية خدمة أبويا الله يرحمه.. هو ماله ومالها؟
مامتك كلمتك وقالتلك تعمل توكيل لحد فيهم عشان لو حصلت حاجة في العملية؟
سألته بتركيز، عيني على كل عصب في وشه.
طارق قعد يفرك جبهته بحيرة
ماما كانت من أسبوعين كده بتقولي نعمل حصر تركة قديم ونظبط ورق أراضي المنصورة عشان عماد يخلصها، بس أنا مكنتش مركز وقولتلها بعدين.. أنتي بتسألي ليه يا ياسمين؟ في حاجة حصلت؟
ابتسمت ابتسامة باردة جداً
لا يا حبيبي، مفيش حاجة.. بس حبيت أتطمن إن دماغك مش مشغولة بحسابات تانية غير صحتك. قوم البس،
تم نسخ الرابط