في أول يوم اتجوزت كنت بحاول أكسب رضا حماتي أقول يمكن الأيام تغيرها
المحتويات
يرتحوا؟ هما مش أولى بيه من الغريب اللي ممكن يجي وممكن لا؟. ردت علي بلهجة حادة وبصوت عالي شويّة ما هما مرتاحين على الكنبة! قلتلك البنات يستحملوا، ليه بتكبري الموضوع؟. أول مرة في حياتي مقدرتش أسكت. أول مرة شعرت إن السكوت ذنب، وإن كل صبرٍ قبلي كان خطأً في حق بناتي. رجعت دخلت أوضة الأطفال، ولمّيت هدوم البنات بسرعة، وحطيتها في الشنط، ولبستهم ملابسهم، وكنت بيدي ترتعش من الغضب والألم.
جوزي دخل ولقاني بجهّز الشنط، استغرب وقال بدهشة إنتِ رايحة فين؟ في وسط الليل وبعدين إيه اللي حصل؟. قلت له وأنا بلبس بنتي الصغيرة حذائها، ومش برفع عينيّ عنها عشان ما أشوف دموعي قدامها على بيتنا. خلاص، كفاية علينا. من اليوم دي، مش هنخطو خطوة هنا تاني. حماتي سمعت الكلام، قامت من مكانها بسرعة وقالت بعصبية واضحة معقول هتعملي مشكلة عشان نوم؟ عشان سرير تفضحي نفسك ونفسنا؟ اجلسي وهدّي نفسك، بكرة نتفاهم.
بصيتلها لأول مرة بكل شموخ وكرامة، وقلت لها بصوت واضح وصل لكل زاوية في البيت لا مش عشان نوم. أنا بصبر على النوم والجوع والبرد. بس أنا مش بصبر على إن بناتي يحسّوا إنهم أقل من غيرهم. مش بصبر على إنهم يكبروا وهم حاسين إن فيه ناس أحق منهم بالراحة والدفء حتى لو كانوا أهلهم. مش بصبر على إنهم يخافوا يطلبوا حقهم خوف الزعل. ده مش مجرد سرير ده كرامة. وكرامة بناتي ما بتباع ولا بتهون.
وخرجت من البيت وأنا ماسكة بإيد بناتي، ومش برجع ورايا، وسمعت كلامهم ورايا، لوم وعتاب وقلق، وما اهتميتش. مشيت في الطريق لسيارتنا، وبنتي الكبيرة مسكت إيدي بقوّة، وقالت لي بصوت خافت مليان أمل وخوف هو إحنا المرة الجاية هننام في بيتنا من أول يوم؟ هنكون مرتاحين ومش هنحتاج نصبر؟. حضنتها بقوّة ودموعي تسيح على خدها، ووعدتها بكل ما أملك من قوة وصدق أيوه يا روحي، من اليوم، محدش هيحسسكِ ولا أخوتكِ تاني إنكم أقل من أي طفل في الدنيا. لكم الراحة والدفء والكرامة اللي ما حدش يقدر ينزعها منكم. وبيتنا هو المكان اللي فيه حقكم مقدّس، ومفيش حد يقدر يقولكم فيه كلمة تجرحكم.
رجعنا بيتنا في وسط الليل، والبنات ناموا بسرعة على أسرّتهم الدافئة، وكل واحد منهم في مكانها الواسع اللي يليق بها. جوزي كان صامت طوال الطريق، ما تكلمش بكلمة، وكنت شايفة عليه علامات التفكير والقلق. تاني يوم، طلع من البيت بدري ورجع بعد الظهر، وكان ماسك في إيده مفتاح صغير قديم لونه بُنيّ، ومكتوب عليه حروف باهتة، ومعاه ورقة صغيرة ملفوفة كويس. قدّمهم لي وقال بصوت حزين ومضطرب روحت عند أمي صباحاً نحاول نهدّي الأمور. كنت بدور في درج قديم في أوضة الأطفال عشان أجيب لها دواء، لقيت المفتاح والورقة تحت كتب قديمة. الورقة مكتوبة بخطّ أمي، وأنا قريتها وما فهمتِ معناها غير لما قرّرت أجيبهالكِ تقريها بنفسكِ.
أخذت الورقة بيدي اللي كانت ترتعش، وفردّتها ببطء، وبدأت أقراها سطر بسطر، وكل كلمة كانت كالسهم يصيب قلبي ويزيده ألماً. أول سطر فيها كان أوضة الأطفال لأولاد بنتي فقط، أما بنات مرات ابني، يتعودوا من دلوقتي إن الدنيا مش هتديهم كل حاجة، وإن مكانهم يبقى حيث يرتاح غيرهم، وإن الصبر يكون لهم زاداً في حياتهم. كملت قراءة باقي الورقة، ووجدت فيها الكلام يوضح كل شيء؛ حماتها كانت ترى إن بناتها هم وريثو البيت والمال والمكانة، وبنتاتي مجرد ضيوف، ومكانهم يكون حيث ما يُسمح لهم، وحقوقهم تُعطى بكرم منها لا بواجبهم. وإن السرير الفاضي ده كان محفوظ لما ممكن ييجي أولاد بنتها في زيارة مفاجئة، وحتى لو ما جوش لسنوات، فهو لهم، ولا يحقّ لأحدٍ آخر أن يضع عليه رأسه ولو لليلة.
وقفت الورقة من يديّ وشعرت بدموعي تنهمر بلا صوت، وكل اللي صار من سنين اتضح لي في لحظة. ما كانش فرق في العادات، ولا حبّ للولاد بس، ولا شيء من اللي كنت أقوله لنفسي عشان أبرّر لها. كانت عمداً، كانت بتخطط من زمان، بتعلّم بناتي الصبر على الحرمان، وتعوّدهم على قلّة القيمة، عشان يبقوا تحت أمرها، وعشان يعرفوا إن في بيتها هم الأقلّ دائماً.
نظرت لجوزي اللي كان واقفاً مكتوف اليدين، ووجهه يعبر عن خزي وندم ما شفتِه عليه من قبل. قال لي بصوت متهدّج ما كنت أعرف صدّقيني ما كنت أتخيل إنها تصل لهذا الحدّ من القسوة والتحكّم. كنت أظنّها مجرد طبع قديم وميل للولاد، ما توقّعتش إن قلبها يقسى لهذا الحدّ على أبناء ابنه. قلت له وأنا أمسح دموعي وأشدّ ظهري بكل قوة المشكلة مش فيها يا فلاح. المشكلة فينا، فيّ وفيك. أنا صبرت سنين وقلت بيتغير، وأنتِ صدّقتها وقلت عادات قديمة. ونسينا إن البنات بتتعلم منّا الكرامة قبل الصبر. لو كنا وقفنا من أول يوم، ما كانش قلب بنتي اتوجع ولا دموعها نزلت في ليلة البارحة.
سكت قليلاً ثم أكملت بكل هدوء وثبات القرار بيدك طبعاً. أنا مش همنعك تزور أمّك، ولا هتكلّمك في كلامها. لكن أنا وبناتي مش هنرجع هناك تاني. مش هدخل بيتاً بناتي فيه أقلّ من غيرهم. مش هأدخل مكاناً يعلّمهم إن حقوقهم
متابعة القراءة