تاريخي العظيم
يرسم ابتسامة باهتة على وشكليته وقال بصوت فيه تكلفة واضحة أهلاً بحضرتك يا فندم.. صدفة غريبة وجميلة جداً.. طبعاً توراتنا وقطعنا التراثية دي بتعتز بكل من ساهم في تاريخ المحل.. يسعدنا جداً لو نقدر نقدم لحضرتك أي ضيافة، أو يمكن... الهدية دي تكون ملك لكِ لو حبيتي.
أمّي بصتله بنظرة واحدة بس. نظرة هادية جداً، لكن كان فيها تاريخ طويل من التعب والوقفة الساعات على رجلها في الدار اللي فوق، والتجاهل اللي شافته وهي داخلة من الباب من خمس دقايق لما طردوها بعينهم.
قالت بصوتها الضعيف بس الثابت أنا مش محتاجة هدية يا بني.. أنا كنت مفكرة إن الشغل اللي الواحد بيعمله بيموت معاه.. بس كفاية عندي إني شفت إنه لسه عايش وجميل زي ما سيبته.
نزلت دمعة بطيئة على خدها، لكنها مسحتها بسرعة بطرف كم بالطوها القديم، وعدت شنطتها الجلد المتهرئة على كتفها، واستعدت للرحيل. لكن قبل ما تاخد خطوتها الأولى، حصلت حاجة مكنتش في الحسبان.
البنت الشابة التي اكتشفت الخياطة، وكان اسمها لارا، وقفت بكل ثقة وبصت لمدير الفرع وقالت بصوت قوي جرس المحل كله سمعه استنى يا فندم.. إنت رايح فين؟ دي مش مجرد صدفة تاريخية عادية، دي السيدة اللي بنيتو على تعبها اسم المحل كله!
المدير ارتبك وحاول يقطع كلامها بنبرة آمرة خدي يا لارا، اتفضلي على شغلك لو سمحتِ ولا تدخليش في اللي لا يعنيكِ!
هنا حسيت إن الدم بدأ يغلي في عروقي، وقربت منه ووقفت قدامه مباشرة وطولي فارعه قدامه، وقلب بصوت حاد إنت اتجننت يا بني إنت؟! تكلمها كده ليه؟ إنت من دقيقة كنت بتطردنا، ودلوقتي لما انكشفتوا قدام الناس بتمثلوا الاحترام؟!
الناس اللي كانوا بيكملوا تسوقهم في المحل بدأوا يقفوا وينتبهوا للي بيحصل، والهمسات كترت والعيون كلها بقت باصة علينا وعلى مديري الفرع اللي وشهم بان عليه الارتباك الشديد.
المدير التاني، وكان اسمه إدوارد، حاول ينقذ الموقف وابتسم باصطناع وقال يا جماعة أرجوكم، الموضوع مش كده خالص، إحنا بس كنا بنستفسر، وحضرتك نورتنا يا ست الكل، والمحل كله تحت أمرك، تعالي استريحي في مكتب الإدارة ونشرب حاجة سخنة.
أمّي هزت راسها برفض قاطع وقالت بصوت مسموع لا شكراً يا ابني.. أنا مكاني مش مكاتب الإدارة الفخمة دي، أنا مكاني كان فوق.. بين التراب والخيوط والتعب، وعمر الفلوس ما هترجع لي صحتي اللي ضاعت هنا.
فجأة، وبدون مقدمات، خرجت سيدة عجوزة أنيقة كانت واقفة بين الزباين، وقربت من أمي بملامح مذهولة وعيون لمعت بالدموع، وقالت بصوت خاشع ومؤثر يا إلهي.. إيفلين؟! إيفلين مورو بعد كل السنين دي؟.. إنتِ بجد قدامي هنا؟!
أمّي بصت للسيدة، التي تبين أن اسمها مارغريت، وفتحت عيونها بذهول وقالت بابتسامة دافئة امتزجت بالدموع مارغريت العزيزة.. يا رباه، كم أنا سعيدة برؤيتك يا ابنتي بعد هذه الفترة الطويلة!
حضنوا بعض بحرارة في نص المحل الفخم، والستات الكبار اللي كانوا في القسم تجمهروا حواليهم، وكل واحدة بقت تفتكر موقف لأمي وهي بتفصل لها فستان خطوبتها أو تخرجها، والمحل تحول في ثوانٍ لمسرح صغير من المشاعر والحنين.
المديريين وقفوا مكتوفي الأيدي، مش عارفين يعملوا إيه ولا يقولوا إيه قدام الزباين اللي بدأوا يصوروا بالموبايلات، وبنت الشغل لارا بصت لهم باحتقار واضح وقالت بصوت عالي لكل الموجودين دول كانوا عايزين يطردوها بره عشان شكل بالطوها مش عاجبهم!
هنا علت أصوات الاستنكار من الزباين، والبعض هددوا بمقاطعة المحل لو متمش الاعتذار بشكل رسمي وائق للست العجوزة دي.
المدير الأولاني، واسمه ريتشارد، اتقلب لونه للون الأصفر، واضطر قدام الكاميرات والزباين إنه ينحني باحترام شديد قدام أمي ويقول بصوت مهتز أنا.. أنا بعتذر لحضرتك نيابة عن المحل كله يا فندم.. وحضرتك شرفتينا، والفستان ده هيتكتب جنبه اسمك بحروف من نور عشان كل زبون يدخل يعرف مين اللي صنعت روعة المكان ده.
أمّي بصت للفستان للمرة الأخيرة، حطت إيديها عليه بحنان بالغ، وبعدين بصت لي وقالت بصوت هادئ يلا يا حبيبي.. خلصنا هنا، الهوا بره أحسن بكتير.
مسكت إيدها بإحساس غامر بالفخر والعزة، وخرجنا من المحل وأنت أصوات التصفيق ورايا بتملى المكان من كل الزباين، وسيبنا وراءنا إدارة مرعوبة ومحل اتفضحت حقيقته، لكن، والأهم من ده كله، إن أمي خرجت وهي رافعة راسها للسماء، شايفة تعب سنين عمرها بينور قدام العالم كله ومش مستخبى جوه البطانة.