تاريخي العظيم

لمحة نيوز

يا أمي، بالله عليكِ، فهميني إحنا جايين هنا ليه؟
مردتش عليا.
فضلت ماشية خطوة بخطوة بكل حرص، عدت باب الإزاز وراكن الميكب، ومستخبية تحت إبطها شنطة جلد قديمة، وبتخبط بعصايتها على الأرضية اللامعة.
كانت باينة صغيرة أوي جوه المحل ده.
مش ضعيفة.. ومش عاجزة.. بس اللي هو.. سهل يتطنشوا.
بالطو بقى له عشر سنين، وجزمة عملية مريحة، وشعر رمادي متثبت بنفس الطريقة البسيطة من قد ما أفتكر.
بالنسبة للستات اللي واقفة وراء الكاونتر، غالباً كانت باينة كأنها ست كبيرة تايهة دخلت من البرد.
لمحت النظرات دي فوراً.
واحدة كاشير مالت على اللي جنبها، وواحد واقف عند السلم الكهربائي مسك التليفون، وواحدة باعة لابسة كعب عالي بصّت على بالطو أمي، وبعدين على إيديها، وبعدين بعدت نظرها بسرعة.
أمّي مخدتش بالها.
أو يمكن خدت بالها، بس كانت أنصح وأكبر من إنها تبين.
راحت على قسم السواريه وكأنها عارفة طريقها بالميلي.
وبعدين بطّت مشيتها أكتر.
إيديها فضلت تتحرك على الفساتين واحد ورا التاني، بتلمس الستان والتل والمخمل كأنها بتقرأ بلتر. قلبت كم على ورا، وعدت صباعها على الديل، وبصّت على الخياطة في ياقة فستان لونه كريمي.
أنا عارف النظرة دي كويس.
دي نفس النظرة اللي كانت بتجيلها على ترابيزة المطبخ وأنا لسه عيّل صغير، ولما كانت بتسهر بعد نص الليل تعمل تعديلات لجيراننا؛ فساتين خطوبة، دلاّت فساتين فرح. كانت بتصنع الجمال للناس التانية وهي نفسها لابسة نفس الفستانين بتوع البيت.
وفجأة وقفت.
في فترينة العرض اللي قدام خالص، كان فيه فستان أزرق غامق تحت نور هادي؛ طويل، وشيك، ومتفصل هاند ميد، بياقة عالية، وأزرار صغيرة مغطاة نازلة في ظهر الفستان زي سطر من اللؤلؤ.
يافطة صغيرة جنبه مكتوبة
من مجموعة ميرسر آند ريد التراثية. خريف 1984. قطعة واحدة فريدة.
رفعت أمي إيديها ولمست الإزاز بخفة.
عنيها اتملت دموع بسرعة لحد ما اترعبت.
في اللحظة دي ظهر أول مدير.
كان لابس بدلة شيك، وبابتسامة مقفولة، وبنبرة الصوت اللي الناس بتستخدمها لما يحبوا يبانوا مؤدبين وهم بيطردوك بره.
أقدر أساعد حضراتكم في حاجة يا فندم؟
قلت دي معايا.. إحنا تمام.
هز دماغه، بس متحركش من مكانه.
وبعدين جه الأمن. شاب صغير، في ودنه سماعة، ومربع إيدي كأن أمي ممكن تفاجئهم وتسرق مانيكان.
برضو أمي مابصتش لأي حد فيهم.
كانت باصة للفستان الأزرق ده كأنها بتنبش على شخص حبته زمان ودفنته.
المدير التاني جه وقف جنب الأولاني.
دلوقتي بقى فيه تلاتة حوالين أمي.
تلاتة.
عشان ست عجوزة ماسكة عصاية وإيديها فيها التهاب مفاصل.
واحدة من الباعات كانت متابعة من بعيد. كانت أصغر من بنتي، ممكن تلاتة وعشرين سنة. مفيش أي نظرة حكم أو استقزاز على وشها، بس فضول.
مشيت علطول ناحية فترينة العرض.
وقالت استنى.
واحد من المديريين جه يعترض، بس كانت هي فتحت الفترينة خلاص.
رفعت الفستان بحرص من على المانيكان وقلبت الياقة لورا.
وبعدين اتسمرت مكانها.
وطت بوشها أكتر على البطانة اللي جوه.
بصّت لأمي.
وبصّت تاني على الخياطة.
قالت بصوت واطي يا فندم.. اسمك إيفلين مور؟
أمّي رمشت.
وقالت كان زمان، إيفلين مورو.. قبل ما أتجوّز تاني.
البنت بلعت ريقها بصعوبة، وقلبت البطانة لبره عشان كلنا نشوف.
هناك، مستخبية في حروف صغيرة مخيطة بالإيد، أصغر من إن حد يلاحظها، كانت مكتوبة جملة
مصنوعة يدوياً بواسطة إي. مورو
ميرسر آند ريد
سبتمبر 1984
محدش نطق بحرف.
لا المديريين.. ولا الأمن.. ولا الستات اللي على الكاشير.
أمي هي اللي عملت الفستان ده.
من واحد واربعين سنة، في ورشة الدور اللي فوق في المحل ده بالذات، أيام ما كانت فساتين السواريه بتتقص على الإيد، والستات اللي زيها كانوا يقعدوا ساعات تحت النور الحامي، يخيطوا الجمال في حياة ناس تانية من غير ما يكتبوا أساميهم من قدام.
البنت الصغيرة شكلها كان هتعيط.
أنتِ اللي عملتيه؟
أمّي هزت راسها بحاجة بسيطة جداً.
قالت عملت اثنا عشر فستان لمجموعة الشتا السنة دي.. وده الفستان الوحيد اللي شفته تاني.
وش المدير الأولاني اتقلب تماماً.
الأمن خد خطوة لورا.
وأمي.. أمي العزيزة، العنيدة، الهادية.. مدت إيديها الاتنين وهي بتترعش عشان تلمس الفستان.
البنت حطته بمنتهى الرقة كأنها بتناولها مولود جديد.
أمّي لمست الياقة الأول.
وبعدين الزراير.
وبعدين الخياطة.
كل غرزة لسه سليمة ومظبوطة.
ابتسمت، بس الابتسامة دي اللي يوجعك تبص لها أصلاً.
همست وقالت كنت عايزة أشوفه قبل ما إيدي تنسى.
حسيت زوري اتقفل.
أمّي عندها التهاب مفاصل لدرجة إنها الأيام دي ساعات مابتقدرش تمسك كوباية قهوة. زمان كانت بتلضم الإبرة من غير نظارة، وكانت بتحول القماش الرخيص لحاجة الستات بتعيط عليها جوه غرف القياس.
دلوقتي فتح البرطمان ممكن يخليها تعيط.
المحل كان هادي بطريقة مرعبة، لدرجة إن صوت التكييف كان واضح وسط السكوت ده. المدير الأولاني بلع ريقه، وبص حواليه بقلق وكأن خايف حد من الكبار يشوف المنظر، وقرب خطوة وهو بيحاول

تم نسخ الرابط