كنت باصة في الإيميل على الموبايل بتاعي والقهوة بردت في إيدي

لمحة نيوز

نقلت على الهدية اللي بعدها من غير ما تبص تاني.
قعدت متجمدة مكاني، وصوت الضحك بيرن في وداني. زوري اتقفل وعيني غبشت. كنت عايزة أختفي. كنت عايزة أزعق وأقول إني حطيت قلبي في البطانية دي، وإن كل غرزة فيها بتمثل ساعات من الحب والاهتمام والأمل.
بس ماكنش قادرة أتكلم ولا أتحرك. وبعدين سمعت صوت كرسي بيتزحلق بعنف على طوب الأرض. أبو هالة، الحاج محمود، وقف. كان راجل طويل بشعر فضي وعيون طيبة. دايماً كان هادي في تجمعات العيله، اللي بيسمع أكتر ما بيتكلم. بس لما كان بيفتح بوقه، الناس كلها كانت بتنتبه.
قال بصوت هادي بس ملى الحديقة كلها زي الجرس: "يا هالة. بصيلي.. حالا."
الضحك سكت في ثانية. راس هالة اترفعت لفوق وعينيها وسعت. "يا بابا، إيه..؟"
"إنتِ عارفة دي إيه؟" شاور على البطانية اللي متبهدلة في العلبة. "دي أكتر من 50 ساعة شغل. عارفة أنا عرفت منين؟"
الصوت كان ميت تماماً. حتى العصافير بطلت تغني.
الحاج محمود كمل بصوت ثابت ومؤكد: "عشان لما أمي الله يرحمها كانت حامل فيا، هي عملت لي بطانية بالظبط كدة. خدت منها شهور. كل ليلة بعد الشغل، كانت بتجلس جنب النار وتشتغل سطر ورا سطر ورا سطر."
مشى ناحية هالة، وهي كشت في كرسيها. وقال: "البطانية دي عاشت أكتر من ٣ نقلات بيت. وعاشت في كل سرير، وكل سرير طفل، وكل مرض طفولة. أخدتها معايا الجامعة. وكانت موجودة لما تقدمت لأمك. وهي موجودة في دولابي لحد دلوقتي، بعد 53 سنة."
صوته اشرخ شوية: "ده كان حب تقدر تمسكه بإيدك. وإنتِ لسه قايلة عليها زبالة."
وش هالة اصفّر. "يا بابا، أنا مكنش قصدي..."
"لأ." قطع كلامه وهو رافع إيده. "إنتِ قصدتي كل كلمة قولتيها. إنتِ كان نفسك تكسفي حد عشان حبه ماجاش معاها إيصال من محل غالي."
بص حواليه لكل الضيوف، وعينه بتتحرك ببطء من وش لوش. "الليست دي مقترحات مش أمر ولا اختبار ولاء. ولو إنتِ فاكرة إن الأمومة عبارة عن حاجات غالية مش حب وتضحية، يبقى أنا خايف على الطفل اللي هتشيليه."
السكتة اللي جت بعد كده حسيتها كأنها دامت للأبد، لحد ما واحدة في آخر الحديقة بدأت تسقف. دي كانت عمتة هالة، واحدة ما قابلتهاش غير مرة واحدة. حد تاني شارك. وبعدها تاني. في ثواني الحديقة كلها ولعت بالتصفيق.
بعض الستات كانوا بيهزوا راسهم، والدموع بتلمع في عينيهم. التانيين كانوا بيبصوا لهالة بشفقة أو خيبة أمل.. أو الاتنين.
هالة قعدت متجمدة، والمكياج الكامل ما قدرش يداري إزاي وشها اتقبض. إيديها كانت بتلعب في حجرها، ولأول مرة من ساعة ما عرفتها، شكلها بقى صغير قوي.
قعدت مكاني مندهشة. البطانية لسه في العلبة، مرفوضة ومهملة. بس بطريقة ما، مبقتش حاسة إني صغيرة. حسيت إن متشافة.
الحاج محمود مخلصش. لف وبص لي، وعينه كانت طيبة. "زينب، هديتك هي الوحيدة هنا اللي هتفضل في العيلة دي لأجيال. شكرا لأنك كرمتي حفيدي بأجمل طريقة ممكنة."
زوري اتقبض ولحقت أهز راسي، مكنش وثقانة في صوتي. وبعدين الحاج محمود عمل حاجة خلت كل الناس تصرخ من المفاجأة. مشي ناحية ترابيزة الهديا ومسك هديته. كانت علبة كبيرة جداً متغلفة بورق فضي، وعليها فيونكة ضخمة. كنت شايلاها لما دخل بيها بدري.
الحاج محمود رجع بيها لحد مكان هالة وحطها عند رجلها. وقال وهو بيفتحها: "أنا برجع الهدية دي." الناس كلها صرخت لما شافوا سرير البيبي اللي بـ 500 دولار من اللستة.
بوق هالة وقع. "إيه؟ يا بابا، لاء..."
الحاج محمود قال بصوت حاسم: "بدل كدة، أنا هديكي حاجة أقيم بكتير. ثواني وراجع."
اختفى جوه البيت والناس كلها بتتفرج في صمت مريب. بعد دقيقتين، رجع وهو شايل غلاف صغير من مناديل ورق. إيديه كانت بتترعش شوية وهو بيفتحه، وطلع منه بطانية بيبي صغيرة شكلها رقيق وقديم.
قال بهدوء: "دي كانت منسوجة من أمي.. تيتا. عملتها لما عرفت إنها حامل فيا. كانت مرعوبة. كانت صغيرة وفقيرة.. ومش عارفة إذا كانت هتقدر تستحمل الأمومة."
رفع البطانية لفوق، وحتى من المحل اللي كنت قاعدة فيه، قدرت أشوف الغرز المعقدة وساعات الشغل اللي منسوجة في كل حتة.
الحاج محمود كمل: "بس هي حطت حبها كله في البطانية دي. ولما اتولدت، لفتني بيها ووعدتني إنها هعمل دايماً أحسن ما عندها. ماكنتش مثالية. بس كانت حقيقية."
حط البطانية في حجر هالة، فوق العلبة اللي فيها شغلي. وقال بحزم: "دي هديتي لحفيدي.. إرث عائلي. تذكرة إن اللي مهم مش السعر.. القلب اللي ورا الهدية."
التصفيق المرة دي كان بيقطع الأذن. الناس وقفت على رجلها. بعضهم كان بيعيط علني. عمتة هالة مسكت صدرها وهي بتضحك وسط الدموع. حتى بعض صحاب هالة شكلهم بقى مؤثر، ونظراتهم اتغيرت من الغرور لحاجة أنعم.
هالة بصت للبطانية اللي في حجرها. إيديها كانت طايرة فوقها من غير ما تلمسها، كأنها خايفة تحرقها. اللون الأحمر اللي طلع في رقبتها وغطى خدودها كان ممكن يناسب عصير الفواكه اللي على ترابيزة الحلويات.
همست: "يا بابا"، بس هو كان لف وراحت عليه. الحاج محمود جه عندي ومد إيده. مسكتها، ولسه مصدومة ومش مستوعبة اللي حصل.
قال لي: "أوعى في يوم تعتذري عن إنك بتدي من قلبك. دي الهدية الوحيدة اللي ليها قيمة بجد."
هزيت راسي، وعيني لسعت من دموع رفضت أنزلها.
والحفل كمل ببطء، والناس جت عندي واحدة ورا التانية. مدحوا في البطانية وسألوني عن التريكو. شاركوا قصص عن هديات هاند ميد أخدوها وبيحبوها.
هالة فضلت قاعدة في كرسيها، وعلبة بطانيتي قاعدة جنب كومة الشراء الغالي من غير ما حد يلمسها.
سيبت الحفلة بعد ساعة، وراسي مرفوعة أكتر من وقت ما جيت. أخويا قابلني عند الباب. كان شكله مكسوف، وبيعتذر، ومتلخبط.
قال لي: "زينب، أنا أسف جداً. اللي حصل ده كان غلط تماماً."
عصرت دراعه وقولت: "محصلش حاجة. بنتك محظوظة إن عندها جد زي الحاج محمود."
وافق بهدوء: "عندك حق.. أتمنى إنها تدرك ده."
وأنا راجعة البيت والشمس الدافية على وشي، فكرت في البطانية دي والساعات اللي قضيتها وأنا بشتغل بإيدي. افتكرت الإهانة والضحك قدام الغرباء، والراحة المفاجئة لما حد دافع عن مشاعري بجد.
بالليل، التوأم بتوعي كانوا بينطوا بأسئلة عن الحفل. بنتي سألت باهتمام: "عجبتها؟"
سكت شوية وفكرت أرد بإيه. وبعدين ابتسمت. "عارفة إيه؟ أعتقد إنها هتعجبها في الآخر. ساعات الحاجات القيمة بتاخد وقت عشان الناس تقدرها."
ابني كشر: "ده مش منطقي."
قولت: "هالة تتعلم تقدر الحاجات البسيطة في الحياة. ده هيحصل في يوم من الأيام."
ده اللي اتعلمته النهاردة بعد الظهر، وأنا واقفة في حديقة مليانة عصائر، وأحكام، وورد متظبط كويس: أغلى الحاجات في الحياة ما بتتشريش من ليست. ولا بتتعمل بورق براند ولا مربوطة بشريطة حرير. مش بتلاقيها في المحلات ولا الكتالوجات ولا الأماني.
بتلاقيها في الساعات اللي بنقضيها واحنا بنعمل حاجة لحد بنحبه. في التعب اللي في صوابعنا، والوجع في ضهرنا، والرفض العنيد للاستسلام لما الرسمة بتتعقد.
بتلاقيها في الجدود اللي بيقفوا ويقولوا الحقيقة لما الباقي بيفضلوا ساكتين. في إرث العيلة اللي بيتوارث عبر الأجيال. وفي الفهم إن الثروة الحقيقية ملهاش أي علاقة بالأسعار.
وبتلاقيها في المعرفة الهادية إن بعض الهديا معموله عشان تعيش للأبد، مش عشانها غالية، بس عشان مصنوعة من حاجة الفلوس ما تقدرش تشتريها: الحب.. النوع اللي تقدر تمسكه بإيدك.
 

تم نسخ الرابط