خطيبتي خبت الكرسي المتحرك بتاع جدتي يوم الفرح
باب أوضة الجاكيتات والبالطوهات موارب، وحسيت إن فيه حاجة غلط، كأن الباب كان مقفول واتفتح بعنف.
لما دخلت لجوه ونورت كشاف التليفون، بطني وقعت في رجلي تماماً.
لقيت جدتي قاعدة لوحدها على كرسي خشب صغير خالص في ركن الأوضة المظلمة دي، وكرسيها المتحرك الأساسي كان مختفي!
يا جدتي، يا نهار أسود، أنتِ بتعملي إيه هنا؟!
بصت لي بتعبير ماقدرتش أقرأه كويس، كان فيه حزن، بس كان فيه حاجة تاني كمان.. حاجة صلبة.
نزلت على ركبي جنبها بسرعة.
إيه اللي حصل؟ فين الكرسي بتاعك؟
ست الكل خدت نفس بطيء.
وقت الاستقبال، كنت جنب ترابيزة الهدايا ولما لقيت مريم بتهمس لواحدة من الوصيفات البنت اللي شعرها أحمر وشاورت على الكرسي بتاعي. وبعد ما دخلت أوضة البالطوهات عشان شنطتي، ووقفت لوحدي على رجلي، فيه حد دخل وخد الكرسي بتاعي بسرعة، ومن ساعتها وأنا محبوسة هنا.
دمي جمد في عروقي.
أنتِ بتهزري؟!
بتكلم بجد للأسف، استنيت أشؤف لو دي غلطة بس مفيش حد رجعه.
حسيت بحاجة سخنة بتطلع في صدري غضب، كسوف، وعدم تصديق.
يا جدتي أنا آسفة جداً! هقوم ألاقيه حالاً! دي قلة أدب وجنون..
بس جدتي مدت إيدها وضغطت على إيدي عشان توقفني في نص الكلام، وعيونها قابلت عيوني في الضوء الضعيف بتاع التليفون.
ما تتأسفش على قسوتها، وما تصلحش الغلط ده دلوقتي. هي ماكنتّش عايزاني أبقى موجودة، بس نسيت تفصيلة صغيرة جداً.. يا حبيبتي، هاتيلى شنطتي.
كان فيه نبرة في صوتها، حاجة مؤكدة قوي ومتعمدة خلتني أقف مكاني.
دورت في أوضة البالطوهات للمكان اللي دلتني عليه ولقيت شنطتها الصغيرة.
أنا رايحة أجيبه حالاً!
لما رجعت وفتحت الشنطة قدامها، طلعت منها ورقة متطبقة وكيس مخملي صغير.
أنا كنت مستنية اللحظة دي من شهور، جدتي قالت بهدوء.
جوه الورقة كان فيه تعليمات مطبوعة، وعيوني قرت الكلمات وحسيت الدموع بتغوم عيني
علاج طبيعي. تمارين مشي. تمرين توازن.
يا جدتي، إيه ده؟
ابتسمت، ودي كانت أول ضحكة حقيقية أشوفها منها من شهور.
ده إثبات إنها مش هتكسب يا حبيبتي، وإني عمر ما بطلت أصارع وأحارب.
علاج طبيعي.. تمارين مشي؟
من ست شهور، بدأت أعمل علاج طبيعي في السر وبمساعدة مروان.
عيوني اتوسعت من الصدمة.
كنت عايزة أفاجئ ياسين إني أدخل قاعة الاستقبال وأرقص معاياه.
قريت التعليمات اللي في الورقة روتين تسخين، حركات محددة، وجدول زمني.
يا جدتي..
أنا بقيت قوية كفاية دلوقتي، كنت بتدرب كل يوم ومروان كان بيوديني الدروس، ولما كنت بقول إني رايحة تجمع الستات كنت بتعلم إزاي أرجع أمشي تاني في الوقت اللي كان الكل فاكرني فيه ضعيفة ومش قادرة أعمل حاجة غير أني أتقعد على الكرسي ده.. بس ماكنتش عاملة حسابي إن مريم هتعمل الحركة الحقيرة دي.
الدموع كانت نازلة على وشي.
تعالي.. ساعديني أقف، محتاجين نتمرن.
ساعدت جدتي أنها تقوم، وسندت وزنها وهي بتعمل الحركات اللي مكتوبة في ورقة التعليمات. رجلها كانت بتترعش في الأول، بس بعد دقايق بقت أثبت وأقوى.
قلبي كان بينكسر وبيطير من الفرحة في نفس الوقت!
سمعنا الدي جي بيبدأ أغنية جديدة برة في قاعة الاستقبال، لحن جميل كأنه بيسخر من كل اللي بيحصل في الأوضة المظلمة دي.
جدتي بصت لي بعزيمة شرسة
يلا بينا، قالتها.
لما طلعنا، لقيت ياسين قريب من حلبة الرقص، سحبته على جنب وقلت له بسرعة على كل حاجة مكان جدتي، وإزاي وصلت هناك، واللي مريم عملته.
وشه بقى أصفر تماماً ومتجمد.
مريم عملت إيه؟!
فكّ ياسين قبض عليه وماقالش كلمة زيادة، راح عدل على كوشة الدي جي ووسوس له بحاجة.
الموسيقى اتحولت لهادئة وبطيئة.
وبعدها ياسين مشي ناحية جدتنا اللي كانت مستنية، وفي اللحظة اللي مريم شافتها واقفة لوحدها على رجلها، شفت حاجة عمري ما شفتها قبل كده.
وش خطيبته اتصفر وباس بطريقة مرعبة!
لما أخويا مد لها دراعه، جدتي قربت وهي بتتحرك بخطوات ثابتة ومحدودة بس مصرة.
القاعة كلها سكتت.
الضيوف بقوا يتفرجوا وأخويا بيعمل أول رقصة مع جدتنا بدل عروسته.
الدموع كانت نازلة على وشّه.
جدتنا كانت بتحرك ببطء وحذر، بس كانت بتحرك!
أنا أقدر أمشي يا حبيبي، سمعتها بتقوله. كنت بتدرب.. عشانك.
لما الأغنية خلصت، ياسين ساعدها تقعد على كرسي والضيوف رغم إنهم كانوا مبيعدوش الكلام سقفوا بحماس.
وبعدين أخويا راح جاب المايكروفون.
أنا محتاج أقول كلمتين، بدأ وصوته بتترعش.
الكل سكت.
الست دي ربتني، وضحت بكل حاجة عشان أختي وعشاني. والنهارده، اترمت في أوضة بلاطو عشان كرسيها المتحرك ما يبوظش الشكل اللي عروستي كانت عايزاه، وقف شوية وبص لمريم مباشرة.
للأسف، أنا ما أقدرش أتجوز واحدة تعمل كدة.. أنا خلصت، ياسين قالها بكل ببساطة.
مريم اتصدمت وطلعت صرخة مكتومة!
وبعدين أخويا راح لجدتي، ركع جنب كرسيها وحضنها كأنها الحاجة الوحيدة اللي ليها قيمة في الدنيا دي كلها.
لأنها فعلاً كانت كده.
بعد ما الفوضى هديت ومريم مشيت وهي ميتة من الغضب، قعدت مع جدتي وياسين، ومروان جاب لنا شامبانيا وغمز لي فضحكت.
دي كانت أشجع حاجة شفتها في حياتي، قلت لجدتي.
ضغطت على إيدي وقالت
الحب ما بيطلعش حلو في الصور.. بس هو الحاجة الوحيدة اللي تستاهل نحارب عشانه.
وياسين بوس راسها.
وهناك فهمت أخيراً العيلة دي كانت متمحورة حوالين إيه بجد.