أمي كانت حامل في السابع، وأول ما قلت لها إني مش هقدر أكمل تربية عيالها، راحت بلغت عني في القسم كإني هربانة

لمحة نيوز

لما الخبط بدأ على الباب، عرفت إن أمي مش هتسيبني أمشي من غير حرب.
ما كانتش خبطات الجيران الهادية لما بيجيبوا جواب غلط، دي كانت خبطات حادة ومنظمة على باب خشب تقيل لبيت خالتي "عفاف" في حي المعادي، خبطات خلت البيت كله يغرق في سكوت تقيل ومقبض. ساعة الحائط في الركن كأنها بطلت تدق.
كنت قاعدة على كنبة خالتي، ضامة ركبي لصدري، وماسكة شنطة قماشي القديمة بقوة لدرجة إن مفاصل صوابعي بيضت، وقلبي بيدق في ودني من الرعب. الشنطة دي كان فيها كل حياتي: تلات غيارات، فرشة سنان، وأمل ساذج ومستميت إن ١٦ سنة من العبودية في البيت ده خلصت أخيراً.
خالتي عفاف حطت كوباية القهوة على الترابيزة ببطء. ريحة البن والحبهان اللي كانت بتطمن قلبي بقت غريبة، وحل مكانها خوف تلج في بطني. بصت لي بعيون مليانة قلق وتصميم حديدي. همست لي: "خليكي هنا يا سماح"، صوتها كان ثابت بطريقة عمري ما عرفتها في حياتي.
قامت ناحية الطرقة، بس أنا مقدرتش أفضل قاعدة. قمت، ورجلي بتترعش كأني مش قادرة أشيل جسمي. عفاف فتحت الباب، لقيت عسكري ومخبر واقفين. لبسهم الميري كان بارز في صباح يومنا ده.
العسكري سأل وهو بيبص من ورا خالتي جوه الشقة: "سماح محمود موجودة هنا؟". سماع اسمي بالطريقة الرسمية دي كان زي التهمة. عفاف وقفت بطولها وردت بثبات: "أيوه، دي بنت أختي".
المخبرة اللي معاهم بصت لي بفضول حاد: "أمك عملت بلاغ تغيب الصبح يا سماح. بتقول إنك سيبتي البيت من غير إذن، وإنتي لسه قاصر".
طلعت نفس كنت كاتماه. بلاغ تغيب؟ الجرأة خلتني عايزة أضحك وأعيط في نفس الوقت. الست اللي بتمثل دور الأم الملهوفة، قضت آخر ٨ سنين بتسيبني لوحدي مع ٦ عيال، وأنا بحاول فاشلة أخلص مذاكرتي. أنا اللي كنت بغير البامبرز الساعة ٣ الفجر، وأنا اللي كنت بسخن اللبن على بوتاجاز بايظ، وأنا اللي كنت بلم العيش الناشف عشان ناكل، في حين إن صحابي كانوا بيعيشوا حياتهم. سلامتي عمرها ما كانت تهمها، غير لما "الخادمة اللي ببلاش" قررت تمشي.
قلت بصوت مكسور: "أنا متهربتش. أنا جيت هنا بمزاجي، كلمت خالتي.. أنا مشيت لأني كنت لازم أمشي".
العساكر بصوا لبعض. عفاف فتحت الباب أكتر عشان تهوي الجو المشحون. قالت لهم: "البنت هنا في أمان، بس هي مستنزفة. بقالها سنين بتربي إخواتها لوحدها، وأمها بتعاملها كأنها عبدة".
المخبر كشر: "يا ست الكل، لازم نسمع منها هي عشان نقيم الموقف، ده إجراء قانوني".
اتقدمت، رجلي كانت تقيلة بس الغضب كان بيغلي جوايا. غضب السنين، غضب الامتحانات اللي ضاعت وأعياد الميلاد اللي مكنتش موجودة. قلت بصوت بدأ يعلى: "أمي حامل في السابع، ومستنياني أربيه زي اللي قبله. بقالي ٥ سنين ممتش نومة كاملة. لو رجعت، هموت".
ملامح المخبرة هديت شوية، يمكن حست بالسلاسل اللي كنت جراها ورايا. فتحت بقها تتكلم، بس قبل ما تنطق، صوت موتور عربية متهالك قطع الهدوء. عربية فضي خبطت الرصيف ووقفت.
دمي جمد. مش محتاجة أبص عشان أعرف مين. الكابوس الحقيقي بدأ دلوقتي.
باب العربية خبط بقوة. أمي "صفاء" نزلت، إيد على بطنها وإيد ماسكة شنطتها كأنها ترس. ومعاها أخويا الصغير "حمادة"، ٦ سنين، لابس بيجامة صغيرة عليه ووشه متبهدل تراب وعياط.
صفاء لبست وش الضحية اللي بتستخدمه في اجتماعات المدرسة.. الوش المثالي. دخلت الشقة بتزق العساكر وبتدور بعنيها لحد ما لقيتني.
"سماح!" صرخت بنبرة تمثيلية خلتني أقرف. قبل ما أبعد، حضنتني حضن سيطرة. لا حنية ولا ريحة أم، ريحة صابون رخيص. كانت مسكة سجان ماسك مسجون هربان.
"يا بنتي خوفتيني عليكي!" عيطت بصوت عالي عشان العساكر تسمع. وهي حاضناني، شفت إيدها بتنزل على كتف حمادة وبتقرصه بكل قوتها.
حمادة صرخ من الألم: "سماح، تعالي معانا! ماما قالت لو مرجعتيش مش هناخد عشا النهاردة!".
الكلمات دي زي السم. بصيت لفوق برعب، لقيت ملامح المخبرة بقت تلج. بالنسبة لهم، أنا مش بهرب من ظلم، أنا طفلة جاحدة سابت أخوها الصغير جعان.
صفاء سابتني وبدأت تمثل: "أنا كنت هموت من الخضة.. مش عارفة ليه بتعمل فينا كده، ده أنا بدلعها!".
قلت بصوت بيرجف: "ماما، كفاية. سيبيه، إنتي بتوجعيه".
المخبر زعق لي: "ماتتكلميش مع أمك كده!".
خالتي وقفت في وشهم: "إنتوا فاهمين غلط! دي مش سيباهم، دي بتهرب من حياة عبودية!".
صفاء ضحكت بسخرية: "خليكي في حالك يا عفاف، إنتي معندكيش عيال وماتعرفيش المسؤولية. سماح مراهقة متمردة".

تم نسخ الرابط