قالت لي أخد "حاجتي"، ومخطرتش على بالها تسأل البيت أساساً باسم مين

لمحة نيوز

 كانت مدياه لمسة دافية، الشمعدانات الكريستال، مفرش السرير اللي أختي خيطته قبل وفاتها، حتى زرع البلكونة اللي أنا اللي زرعته، كل ده بدأ يتجمع في الطرقة. نور بدأت تتوتر، حست إن البيت بقى بارد، بقى مجرد جدران خرسانية صماء، كريم واقف مصدوم، حاسس بانهيار حياته قدام عينه، بس مش عارف يعمل إيه، هو اتعود إنه يرضي مراته عشان يسكت صوت نكدها، لكنه نسي إن السكوت على الغلط هو اللي بيجيب الانهيار. وصلت للشنطة الأخيرة، الشنطة اللي فيها أسرار السنين، مديت إيدي في الجيب الداخلي اللي كان حسين الله يرحمه مخيطه بإيده، وطلعت "الورقة" المطوية، الورقة اللي كانت السبب في كل ده، الورقة اللي بتخلي البيت ده، وكل مليمتر فيه، ملكي أنا، باسمي أنا، مش باسمه ولا باسم مراته، حسين كان خايف من الزمن، وكان عارف إن كريم ابنه ضعيف الشخصية، فعمل حسابه قبل ما يموت، خلاني أنا صاحبة البيت رسمياً، وده كان السر اللي كنت مخبياه عن الجميع عشان أعلم ابني درسه الأخير. بصيت لنور، ونور بصت لي بحيرة، وبصيت لكريم، وقلت: "يا كريم، مرتك طلبت مني آخد حاجتي، وأنا فعلاً خدت كل حاجة تخصني، خدت روح البيت، خدت ذكريات أبوه، خدت تعبي، بس نسيت حاجة واحدة"، نور سألت بتوتر: "إيه هي؟"، ابتسمت ابتسامة هادية جداً وقلت: "البيت نفسه". طلعت الورقة من جيبي وفردتها، ووضحت لكل اللي في الغرفة: "البيت ده باسمي يا نور، والورقة دي بتقول إني صاحبة الحق في طرد أي حد مش عاجبه وجودي، والنهارده، أنا اللي بطلب منكم إنكم تاخدوا حاجتكم وتخرجوا، عشان أنا محتاجة الهدوء اللي كنتوا بتتكلموا عنه". الصمت خيم على المكان، صحاب نور سكتوا تماماً، واحدة فيهم خبت الموبايل بسرعة، وكريم وقع على أقرب كرسي، نور وشها بقى شاحب، وحست إن الأرض بتتهز تحت رجليها، كل "الاستعراض" اللي عملته اتبخر، وكل قوتها المزيفة اتكسرت في لحظة، هي كانت فاكرة إنها طردتني، وهي في الحقيقة اللي طردت نفسها، هي اللي بنت حياتها على وهم، والوهم ده اتكسر بمجرد ورقة. وقفت قدامهم، وأنا شايلة العلبة الخشب في إيدي، والشنطة على كتفي، وقلت: "بكرة الصبح، المحامي بتاعي هيوصل عشان ينهي إجراءات البيت، لحد وقتها، أنصحكم تلموا حاجتكم بهدوء، لأن ذوقي في اختيار الناس اللي يدخلوا بيتي اتغير تماماً". خرجت من البيت، وقفت في الشارع، أخدت نفس عميق، حسيت لأول مرة من سنين إني حرة، مش حرة لأني طردتهم، لكن حرة لأني استرديت كرامتي، كرامة الست اللي تعبت وشقيت، الست اللي كانت فاكرة إن التضحية هي طريق الحب، واكتشفت إن التضحية لغير المستحق هي تضييع للعمر. في الليلة دي، فهمت إن الوجع اللي عشته، والخذلان اللي شفته من ابني، كان هو الدرس اللي كنت محتاجة أتعلمه عشان أعيش بقية عمري بكرامة. نور، اللي كانت فاكرة إنها "ملكة" البيت، عرفت إنها مجرد ضيفة، وضيفة تقيلة كمان، وكريم، اللي كان فاكر إنه بيشتري راحة باله بطاعة مراته في الغلط، عرف إنه خسر أهم سند في حياته، خسر أمه، وخسر البيت اللي كان بيلم شتات عيلته. وأنا، ليلى، مشيت في الشارع، مش مكسورة، مش حزينة، بالعكس، كنت حاسة إن قلبي أخف، وإني أخيراً بدأت أكتب قصة حياتي بنفسي، بعيداً عن أي حد يحاول يملي عليا إزاي أعيش، أو إزاي أتنازل عن حقي. قعدت على أقرب قهوة، طلبت كوباية شاي، وبدأت أفتح علبة الوصفات، شفت خط إيد أمي، شفت ريحة زمان، شفت ذكريات بتنور لي طريقي، وبدأت أخطط لحياتي الجديدة، حياة مش محتاجة فيها لبيت واسع يجمع ناس مش مقدرين قيمتي، حياة محتاجة فيها بس للهدوء، وللناس اللي يعرفوا معنى "الامتنان". مرت الأيام، وعرفت إن كريم ونور سابوا البيت بعد أسبوع من الفضيحة اللي حصلت، نور حاولت تلف وتدور، وحاولت تستخدم كل حيلها، بس الورقة اللي كانت في إيدي كانت أقوى من أي محاولات تزييف، كريم حاول يكلمني يطلب السماح، بس كان السماح له تمن، كان لازم يتعلم إن أمه مش مجرد "خادمة" في بيته، ولا هي "عنصر زائد" في حياته. اشتريت شقة صغيرة، هادية، مليانة شجر وورد، فرشتها بحاجتي اللي استرديتها، الحاجات اللي ليها معنى، وعشت فيها ملكة لنفسي، ملكة لقراراتي، ملكة لكرامتي، وكل ما أشوف العجانة الحمراء، أو ساعة حسين، ببتسم، لأني بعرف إن كل حاجة بتحصل في الدنيا لها تمن، والحاجة الوحيدة اللي ما ينفعش حد يشتريها أو يبيعها هي "العزة"، وأنا النهارده، ملكة العزة. النهاية مكنتش في خروجي من البيت، كانت في خروجي من قوقعة الضعف اللي كنت حابسة نفسي فيها سنين، والدرس اللي اتعلمته، وعلمته ليهم، إن اللي يستهين بكرامة اللي حواليه، بيلاقي نفسه في الآخر في مهب الريح، من غير بيت، ومن غير حب، ومن غير سند. خرجت من تجربة مأساوية بدرس قاسي، بس الدرس ده هو اللي بيبني الستات اللي زايي، ستات مش بيكسرهم زمن، ولا بيهزهم غدر أقرب الناس، ستات بيعرفوا دايماً إن "الحاجة اللي تخصهم" هي قيمتهم الحقيقية، وهي دي اللي لازم يحافظوا عليها، مهما كان التمن، ومهما كانت الظروف، لأن في نهاية الطريق، كل واحد بيلاقي اللي زرعه، والزرع اللي زرعته نور في بيتي كان الحقد والغرور، فكان لازم تحصد الندم والضياع. أما أنا، فزرعت الصبر، والكرامة، والبيت اللي بنيته بدموعي وعرقي، فكان لازم أحصد السلام، والحرية، والبيت اللي بجد، البيت اللي بدخله وأنا مرفوعة الرأس، عارفة إني مالكته، ومالكة نفسي، ومالكة قراري. ودي كانت القصة، مش قصة "طرد" ولا "خروج"، دي كانت قصة "استرداد"، استرداد للذات، واسترداد للحياة، واسترداد لبيت كان محتاج يتطهر من الأنانية عشان يرجع بيت للعيلة، حتى لو العيلة دي بقت أنا وبس، أنا وبس كفاية، أنا وبس عيلة كاملة، أنا وبس.. حكاية هتعيش وتتحكي لكل واحدة مفكرة إنها ضعيفة، لكل واحدة مفكرة إن الكرامة ممكن تتنازل عنها عشان حد تاني، الحكاية بتقول: "لا تستهيني بنفسك، ولا تسمحي لأي حد إنه يستهين بيكي، لأنك أنتي البيت، أنتي الأساس، وأنتي اللي بتبني، وأنتي اللي بتهدي، وأنتي.. اللي بتختاري إمتى تفتحي الباب، وإمتى.. تقفليه للأبد".
 

تم نسخ الرابط