قالت لي أخد "حاجتي"، ومخطرتش على بالها تسأل البيت أساساً باسم مين
قالت لي أخد "حاجتي"، ومخطرتش على بالها تسأل البيت أساساً باسم مين، ولا فكرت للحظة إن الكلمة اللي بترميهالي في وشي ممكن تكون هي المفتاح اللي هيفتح لها أبواب الجحيم على مصراعيه. كنت واقفة في الصالة الواسعة اللي أنا اللي اخترت رخامها، وأنا اللي تعبت في اختيار كل تفصيلة فيها، شايفة مرات ابني "نور" واقفة قدامي بكل غرور، ولابسة طقم ذهب قديم كان جوزي "حسين" الله يرحمه جايبهولي في أول عيد جواز لينا، كانت بتلبسه كأنه وسام بتتباهى بيه، متخيلة إنها لمجرد إنها بقت ست البيت، فكل اللي جوه الحيطان دي أصبح ملكية خاصة ليها. وراها كان ابني "كريم" واقف، باصص في الأرض، ووشه أصفر ومخنوق، مكسوف يرفع عينه في عيني، وكأنه نسي إن اللي واقفة قدامه دي هي اللي شالته وهو طفل، وهي اللي سهرت جنبه في مرضه، وهي اللي باعت دهبها عشان يكمل تعليمه ويبدأ حياته. تلاتة من صحاب نور كانوا قاعدين، واحدة فيهم بتصور فيديو بموبايلها، ونور طول عمرها بتحب الاستعراض، بتحب تبان قدام الناس إنها المسيطرة، وإنها "الست" اللي قدرت تروض حماتها وتطردها من مملكتها. قالت بدلع مصطنع وصوت مسموع: "يا طنط ليلى، البيت محتاج تغيير، والبيبي محتاج هدوء، وأنا شايفة إن وجودك معانا في نفس البيت بقى مسبب ضغط نفسي لينا كلنا، فمن الأفضل إنك تاخدي حاجتك وتشوفي مكان تاني تريحي فيه أعصابك". بصيت لها بهدوء غريب، هدوء ماكانش متوقعاه، هدوء بيسبق العاصفة، وقلت لها: "تمام يا بنتي، اللي تشوفيه، أنا مايهمنيش غير راحتكم". بدأت اتحرك في البيت، مش زي واحدة مطرودة، لكن زي واحدة بتعمل جرد لأملاكها، وبدأت أجمع كل اللي يخصني، الحاجات اللي ليها روح، الحاجات اللي لو خرجت من البيت ده، البيت نفسه هيفقد قيمته. بدأت بساعة حسين اللي كانت في إيده ليلة وفاته، شلتها من على الرف، نور بصت لي بحنق وقالت: "دي قديمة، سبيها مكانها"، رديت ببرود: "دي تخصني يا نور، حسين جايبهالي، والذكرى دي ملكي أنا". رحت للمطبخ، وفتحت الدولاب، وطلعت عجانة "كيتشين إيد" الحمراء اللي كريم جابهالي وهو عنده ستاشر سنة من تحويش تلات شهور شغل في سوبر ماركت، العجانة اللي كانت نور بتستخدمها في فيديوهات الطبخ بتاعتها وبتقول لمتابعينها إنها جزء من "أناقة مطبخها"، فصلت فيشتها قدام عينيها، ونور صرخت: "أنتي بتعملي إيه؟ ده جهاز للمطبخ، والمطبخ ده بيتي!"، رديت وأنا بحطها في كرتونتها: "ده جهاز ابني جابهولي أنا، وأنتي ما استأذنتيش في استخدامه من البداية، اعتبريه أخد إجازة". كريم دخل ورايا المطبخ، وبصوت مهزوز قال: "يا ماما، بلاش الفضايح قدام صحابها، عيب كدة، كفاية إننا وصلنا للمرحلة دي"، بصيت في عين ابني اللي كنت فاكراه سند، وقلت: "عيب؟ العيب إن مراتك تطرد أمك من بيتها يا كريم، العيب إنك تسمح لغريبة إنها تهمشك وتهمش وجودي، أنا بس بنفذ طلبها، باخد حاجتي، حاجتي اللي هي أصلاً مش عارفة قيمتها". قربت من درج الخشب اللي جنب البوتاجاز، وفتحت "علبة الوصفات" القديمة، العلبة اللي فيها بخط إيد أمي وجدتي وصفات الأكل اللي ربيت بيها عيلة، نور قامت وقفت كأنها اتلسعت وقالت: "لأ، العلبة دي تفضل هنا، دي وصفات عيلة، وأنا دلوقتي مسؤولة عن أكل البيت ده"، بصيت لها بنظرة خلتها ترجع لورا، وقلت: "أنتي دخلتي البيت ده كـ 'كنّة'، والكنة ضيفة لحد ما تثبت أصلها، العلبة دي فيها تعب سنين، فيها ريحة بيوت قديمة أنتي ما تعرفيش عنها حاجة، مش هسيبها لحد يرميها في ركن بعيد عشان 'ديكور' مطبخه". رفعت العلبة، ونور وشها احمر من الغيظ وقالت بصوت عالي عشان صحابها يسمعوا: "لو خرجتي بالعلبة دي، متفكريش ترجعي تاني، الباب ده مش هيتفتح لك تاني يا ليلى"، كنت هضحك، ضحكة مليانة سخرية ومرارة، وقلت: "يا نور، أنتي لسه فاكرة إن الموضوع كله على باب البيت؟ الموضوع أكبر بكتير مما تتخيلي". الشنط كانت تقيلة، والبيت بدأ يفضى من الحاجات اللي