سارة، البنت اللي عندها 5 سنين، خدت كل عرايسها معاها المستشفى وهي مأملة إنهم ممكن يدفعوا تمن عملية أمها.
سارة، الطفلة اللي مكملتش الخمس سنين من عمرها، كانت واقفة في مدخل مستشفى النيل العام وهي ضامة كرتونة قديمة في حضنها بكل قوتها، كأنها بتحاول تحمي جواها مش مجرد ألعاب، لكن بتحمي حلمها الوحيد في الحياة. عيونها الواسعة كانت مليانة دموع محبوسة، وشعرها اللي متلخبط كان بيتحرك مع نسمات الهوا اللي داخلة من باب المستشفى، في حين إن أصوات الأجهزة والناس اللي بتجري يمين وشمال كانت بتزيد من ضربات قلبها الصغير. سارة مكنتش فاهمة ليه الدنيا بقت صعبة فجأة، ولا ليه الموظفة اللي قاعدة ورا المكتب العالي بتبص لها بنظرة باردة تخلو من أي إنسانية. كانت عارفة حاجة واحدة بس، إن أمها نادية منصور، الست الوحيدة اللي كانت بتطمنها في الليالي الضلمة، هي دلوقتي مرمية في أوضة فوق في المستشفى، ومحتاجة عملية ضرورية عشان تفوق من الغيبوبة اللي دخلت فيها بعد ما خبطتها العربية وهي بتزق سارة بعيد عن الطريق عشان تنقذها. الموظفة، بوشها الصارم اللي باين عليه إرهاق السنين، بصت للكرتونة اللي في إيد سارة، زقتها بإيدها بعيد وقالت بصوت جاف ملوش أي إحساس يا بنتي افهمي، المستشفى مش جمعية خيرية، دي مؤسسة بتقدم خدمات غالية ومحتاجة تأمين صحي أو فلوس، هاتي إثبات تأمين قبل الصبح، وإلا المستشفى هتضطر توقف الأجهزة عن أمك، وممكن جداً متقومش تاني. الكلمة دي وقعت على قلب سارة زي الرصاص، سكتت تماماً، لسأنها اتعقدت، لكن عيونها لسه متعلقة بالموظفة، لحد ما في اللحظة دي، دخل بهو المستشفى وفد من رجال الأعمال ببدلهم الغالية وأشكالهم اللي بتوحي بالقوة والنفوذ، وكان وسطهم مصطفى سليم، الملياردير اللي مفيش جريدة اقتصادية في مصر مبتتكلمش عنه. كان مصطفى جاي في زيارة سريعة لموظف عنده في الشركة أصيب في حادث، وكان في طريقه للاجتماع اللي بيحدد فيه مصير صفقات بملايين الجنيهات. مشي مصطفى بوقار وهيبة، لكن وسط كل الأصوات والزحمة، لفت نظره منظر الطفلة اللي واقفة لوحدها بكرتونتها المبهدلة، وبالصدفة البحتة، وقعت عينه على عروسة قماش صغيرة كانت بتبان من طرف الكرتونة، عروسة خيطتها إيدين أمها بلمسات حب بانت من شكل الخيوط المتقنة واللون الأزرق البهتان اللي ميزها. جسم مصطفى اتجمد، وخطواته توقفت في مكانها فجأة كأن الأرض انشقت وطلعت له ذكريات دافنة في أعماق قلبه، وخصوصاً لما سمع سارة بتنطق اسم نادية منصور وهي بترجى الموظفة إنها تقبل عرايسها تمن للعملية.
المكان حوالين مصطفى بدأ يبهت، الأصوات بقت بعيدة ومكتومة، مبقاش شايف غير الطفلة اللي بتبكي بأدب، ولا غير اسم نادية اللي كان بيمثل له كل حاجة في بدايات حياته. نادية منصور، البنت اللي كانت بتمشي معاه في نفس الطريق للمدرسة، اللي كانت بتتقاسم معاه الساندوتشات لما كان هو مش لاقي ياكل، اللي شافت دموعه لما والده اضطر يسيب البيت والحي ويسافر لمكان بعيد، نادية كانت الوحيدة اللي حسسته إن لسه في خير في الدنيا، كانت النور اللي كان بيضوي له أيامه القاسية قبل ما طريقهم يفترق وتأخده دوامة الحياة للنجاح والفلوس. في اللحظة دي، الموظفة كانت لسه بتكمل كلامها القاسي لسارة وبتقولها يا بنتي مفيش حد بيشتري العرايس دي، هاتي أهل أو أي حد كبير مسؤول، المستشفى مبيقبلش غير أوراق رسمية، وسارة ببرائة طفولية رفعت عرايسها وقالت بصوت مخنوق ليلى هي أهم واحدة، ماما خيطتها لي عشان مكنتش عارفة أنام من البرد، هي غالية أوي، أرجوكِ خديها وموتي ماما متسيبهاش تروح. مصطفى سليم، اللي متعود ياخد قرارات بتغير خرائط شركات وبتمضي عقود بمليارات، حس دلوقتي إن كل ثروته متساويش تمن دمعة من عين الطفلة دي. تقدم مصطفى بخطوات تقيلة، ساب وراه مساعديه المذهولين، وقرب من سارة ومن الموظفة اللي لما شافت مصطفى سليم ببدلته اللي تمنها يقدر يبني مستشفى، اتغير وشها 180 درجة وبقت مرتبكة وبتحاول تبرر موقفها. مصطفى مابصش للموظفة، لكنه نزل لمستوى سارة، مد إيده ببطء ومسك عروسة القماش، لمس القماش البهتان بوقار وكأنه بيمسك ألماسة نادرة، وبعدين بص في عيون سارة وسألها بصوت مرتعش انتي قلتي اسم أمك إيه؟. سارة بدموعها اللي بتجري على خدها قالت