جوزي ضربني حكايات ميرا

لمحة نيوز

تحديد أول جلسة تحقيق الأسبوع المقبل. أغلقت الشاشة، وأخذت نفسًا عميقًا، رغم ألم ضلوعها. كانت تعرف أن الطريق ما زال طويلًا... لكن هذه المرة، لن تمشيه وحدها. مر أسبوع ببطء. كل يوم كانت ندى تتعلم تمشي خطوات زيادة. وكل يوم كانت تتعلم حاجة أهم... إن الخوف اللي عاش معاها ست سنين، بدأ يفقد سلطته عليها. صباح يوم التحقيق، دخلت مبنى النيابة وهي ترتدي ملابس بسيطة. لا مكياج، ولا محاولة لإخفاء آثار الكدمات التي ما زالت باقية حول رقبتها وذراعها. جلست في الممر، وبعد دقائق... فُتح الباب. خرج أحمد. كان أول لقاء بينهما منذ ليلة الاعتداء. نظر إليها بثقة حاول أن يصطنعها، ثم ابتسم ابتسامة ساخرة، وقال بصوت منخفض فاكرة إنك هتكسبيني؟. ندى رفعت عينيها إليه، ولأول مرة منذ عرفها... لم ترمش. قالت بهدوء أنا مش داخلة أكسبك... أنا داخلة أقول الحقيقة. اختفت الابتسامة من على وجهه. وفي الداخل، بدأت جلسة التحقيق. استعرضت النيابة التقرير الطبي، ثم استمعت إلى أقوال ندى، ثم إلى أقوال رنا، ثم إلى المستندات المالية، وأخيرًا... طلبت مشاهدة نسخة من تسجيلات كاميرات الشركة. جلس الجميع في صمت. ظهر أحمد على الشاشة وهو يخرج من مكتبه بعصبية. كان يتحدث في الهاتف. الصوت لم يكن واضحًا بالكامل... لكن في نهاية المقطع، التقط الميكروفون جملة قصيرة، توقف الجميع عندها. أحمد قال النهارده لازم كل حاجة تخلص. ساد الصمت في القاعة. محامي أحمد سارع يقول الجملة دي تحتمل أكتر من تفسير. رئيس التحقيق دوّن ملاحظة في الملف، ثم طلب استكمال فحص التسجيلات بواسطة خبير فني. انتهت الجلسة الأولى دون أحكام. لكن قبل أن يغادر الجميع... دخل أحد الموظفين مسرعًا، يحمل ظرفًا مختومًا. قال وصل دلوقتي من البنك. استلم المحقق الظرف، فتحه، وبدأ يقرأ، ثم رفع رأسه ببطء، وقال يبدو إن عندنا مستندات مالية جديدة محتاجة مراجعة. نظر أحمد إلى الظرف، وتغير لون وجهه تمامًا. أما ندى... فاكتفت بالنظر إليه في صمت. لأنها أدركت أن الحقيقة لا تُقال مرة واحدة... بل تظهر ورقة بعد ورقة.
المحقق فتح الملف بهدوء. كانت أمامه كشوفات حسابات بنكية، وتحويلات مالية، ومراسلات رسمية. قلب أول صفحة، ثم الثانية، ثم توقف عند مستند معين. رفع عينيه إلى أحمد، وسأله الحساب ده باسم مين؟. أحمد تردد للحظة ده... حساب خاص بمورد. المحقق أشار إلى الورقة الغريب إن المورد ده عنوانه هو نفس عنوان شقة الآنسة رنا. أحمد لم يرد. رنا أغمضت عينيها، ثم قالت بثبات الحساب اتفتح باسمي... لكن أنا ما كنتش صاحبة القرار. كل التحويلات كانت بتتم بناءً على تعليماته. المحقق دوّن ملاحظته، ثم طلب من موظف البنك شرح حركة الأموال. اتضح أن مبالغ كبيرة خرجت من حسابات الشركة على مدار أشهر، تحت بنود تبدو قانونية، لكنها كانت تحتاج إلى مراجعة دقيقة. نظر المحقق إلى ندى حضرتك بصفتك شريكة، هل كنتِ على علم بالحركات دي؟. ندى أجابت بهدوء لا. كنت مسؤولة عن جزء من الإدارة، لكن ما وافقتش على أي تحويل من النوع ده. سُجلت الإجابة في المحضر. انتهت الجلسة بعد ساعات، خرج الجميع في صمت. في الخارج، وقف أحمد للحظة وكأنه يريد أن يتحدث، لكنه لم يجد ما يقوله، ركب سيارته وانصرف. أما ندى، فخرجت مع نهى، تنفست ببطء، رغم الألم الذي ما زال في ضلوعها. قالت نهى الطريق لسه طويل... لكن كل خطوة النهارده كانت في مكانها. ندى ابتسمت ابتسامة خفيفة، لم تكن ابتسامة انتصار، بل ابتسامة شخص بدأ يستعيد حياته، خطوة بعد أخرى. تمت.
بعد أسبوعين... تلقت ندى اتصالًا من نهى. كان صوتها مختلفًا هذه المرة، هادئًا... لكنه يحمل خبرًا مهمًا عندي مفاجأة. ندى وضعت فنجان الشاي على الطاولة خير؟. المحكمة وافقت على تعيين خبير مالي مستقل لمراجعة حسابات الشركة بالكامل. ندى أغلقت عينيها للحظة. كانت تعرف معنى ذلك. من الآن فصاعدًا... لن يعتمد الأمر على أقوال أحد، بل على المستندات، والأرقام، والتوقيعات. في اليوم المحدد، وصل الخبير المالي إلى مقر الشركة، طلب جميع الدفاتر الإلكترونية، وسجلات التحويلات، ونسخ العقود. استمرت المراجعة ثلاثة أيام كاملة، وفي نهاية اليوم الثالث... خرج بتقرير أولي. قال أمام الجميع توجد معاملات تحتاج إلى تفسير، وبعضها تم دون اكتمال إجراءات الموافقة الداخلية. لم يذكر أسماء، ولم يصدر أحكامًا، لكنه أكد أن الملف يحتاج إلى استكمال الفحص. كان أحمد يجلس صامتًا، لأول مرة... لم يحاول مقاطعة أحد. في المساء... عادت ندى إلى شقتها، فتحت الشرفة، ودخل هواء بارد لأول مرة منذ شهور شعرت أنه يريح صدرها. رن هاتفها، كانت أمها. ترددت لحظة... ثم ردت. جاءها صوت أمها باكيًا يا ندى... أنا عارفة إن اللي حصل ما يتصلحش بسهولة... لكن نفسي أشوفك. نظرت ندى إلى السماء، ثم قالت بهدوء لما أبقى مستعدة... هكلمك. لم تغلق الهاتف بعصبية، ولم تعد كما كانت، كانت فقط تضع حدودًا لأول مرة في حياتها. أغلقت الخط، ثم دخلت إلى غرفتها، نظرت إلى المرآة. آثار الكدمات بدأت تختفي، لكنها كانت تعرف... أن أقوى شيء تعافى فيها... لم يكن وجهها، بل قلبها.
في صباح الجلسة الأخيرة... امتلأت قاعة المحكمة بالمحامين، والشهود، والصحفيين. جلست ندى في مكانها بهدوء. لم تعد ترتجف، لم تعد تنظر إلى الأرض، كانت تنظر إلى الأمام فقط. دخل القاضي، وبدأت الجلسة. استعرض تقرير الخبير المالي، والتقارير الطبية، وأقوال الشهود، وما ثبت من مستندات بعد فحصها، ثم قال المحكمة تبني حكمها على ما ثبت لديها من أدلة قانونية، وليس على الانطباعات أو الشائعات. ساد الصمت، كانت ثواني ثقيلة على الجميع. أحمد أغلق عينيه. أما ندى... فكانت تمسك خاتم زواجها القديم داخل حقيبتها، آخر شيء احتفظت به من تلك الحياة. وبعد النطق بالحكم... خرج الجميع من القاعة، لم تجرِ ندى خلف أحد، ولم تلتفت إلى أحمد، الذي كان محاطًا بمحاميه، شعرت فقط أن الحمل الذي حملته على كتفيها لسنوات بدأ يخف.
بعد عدة أشهر... باعت ندى حصتها في الشركة وفق الإجراءات القانونية، وبدأت عملًا جديدًا كمستشارة مالية مع شركة أخرى. استأجرت شقة صغيرة تطل على النيل، لم تكن فاخرة، لكنها كانت هادئة. ولأول مرة... كانت تملك مفتاح بيت لا تخاف أن تفتحه. أما أهلها... فاحتاجت العلاقة وقتًا طويلًا حتى تهدأ، لم تعد كما كانت، كان هناك احترام وحدود واضحة. سامحتهم حتى تتحرر من الغضب... لكنها لم تعد تسمح لأحد أن يقرر عنها أو يتجاهل ألمها. وفي أحد الأيام... رن هاتفها، كان رقمًا غير مسجل. ردت. جاءها صوت فتاة شابة تبكي، قالت حضرتك ندى؟. أيوه. أنا جبت رقمك من الأستاذة نهى... أنا بتعرض لعنف من جوزي، وكل الناس بتقولي استحملي... ومش عارفة أعمل إيه. أغمضت ندى عينيها، تذكرت سرير العناية، وتذكرت المكالمة التي لم تجد فيها أحدًا ينقذها. ثم قالت بصوت هادئ أول حاجة... إنتِ مش لوحدك. وهنتصرف خطوة بخطوة. ابتسمت وهي تغلق
الهاتف بعد أن أعطتها موعدًا للقاء بالمحامية. في تلك اللحظة... أدركت أن أقسى ما عاشته... قد يصبح سببًا في إنقاذ شخص آخر. وقفت أمام نافذة شقتها، كانت الشمس تغيب ببطء. همست لنفسها زمان كنت فاكرة إن القوة معناها أستحمل... لكن الحقيقة... إن القوة هي أعرف إمتى أمشي... وإمتى أقول كفاية. تمت.

تم نسخ الرابط