رجعت من سفرية شغل، ولقيت 100 وردة مرميين قدام باب البيت لمراتي... ولدقيقة واحدة بس حسيت إن جوازي انتهى
وبعضها من الأطفال.
واحد مكتوب فيه بس
أنتِ مدرستي المفضلة.
وتاني بيقول
المدرسة أحلى لما تكوني موجودة.
وبعدين جين فتحت كارت صغير مزين بستيكرز معوجة وجليتر، والخط كان بالعافية يتفهم. ضحكت وسط دموعها وهي بتقرأه بصوت عالي
عزيزتي السيدة جين، من فضلك ما تستقيليش لأنك بتخلي الحساب مش مخيف، ولأن نكتك مضحكة حتى لما ماحدش بيضحك.
ضحكت، وجين ضحكت.
كل ما بنغوص أكتر في الورد، بنلاقي ملاحظات أكتر. ومع كل رسالة، كنت بشوف حاجة بترجع لوجه مراتي ببطء.
الأمل.
نفس الأمل اللي افتكرت إنها فقدته من شهور. وقتها، البلكونة ماكنتش مغطية بالورد بس، كانت مغطية ببرهان إن قيمتها كانت أكبر بكتير مما هي متخيلة.
الساعة اللي بعد كدة، لا أنا ولا هي دخلنا البيت.
الطلبات اللي كنت جايبها سيبتها في العربية، والشنطة كانت مرمية جنب باب البيت، والعشا بقى آخر حاجة بنفكر فيها. قعدنا مكاننا في البلكونة، حوالينا الورد والرسائل، بنفتح كارت ورا التاني كأننا لقينا كنز مدفون.
مع كل رسالة جين بتقرأها، جزء من الحمل اللي كانت شايلاه كان بيتشال من على كتافها. في لحظة، فتحت كارت مكتوب من أم ولد اسمه تايلر، طالب كانت حكت لي عنه كتير على مدار السنين.
في إيه؟ سألتها.
ادتني الورقة.
يا مدام كارتر، تايلر كان بيعيط كل يوم قبل المدرسة. أنتِ السبب إنه بيحب يتعلم دلوقتي. مش هنقدر نشكرك كفاية.
بصيت لفوق ولقيت دموع جين نازلة تاني.
ماكنتش أعرف إنهم واخدين بالهم، همست.
الحزن في صوتها ما بقاش حزن حقيقي، كان ذهول. بعد شهور من شعورها إنها مش متشافة، فجأة اتحطت قدام عشرات الأدلة إن الناس كانوا شايفينها طول الوقت.
جين بصت للجبال من الورد اللي مغطية البلكونة. الدليل كان مستحيل يتجاهل. مية بوكيه. مية عيلة. مية قرار منفصل خده ناس عايزينها تفهم إنها ليها قيمة.
لما العصر قلب بليل، دخلنا الورد البيت مجموعات صغيرة. الورد ملى رخامات المطبخ، وترابيزة السفرة، ورفوف الصالون، وكل حتة فاضية. لما خلصنا، البيت كله بقى ريحته زي جنينة ورد.
جين وقفت في نص الصالون وبتلف ببطء. ماكنتش فاكر آخر مرة شفتها بتبتسم الابتسامة دي امتى. مش الابتسامة الرسمية للغرباء، ولا الابتسامة التعبانة اللي كانت بتديهالي بعد أيام صعبة.
دي كانت مختلفة. دي ابتسامة حد أخيراً فاهم إنه مش بيحارب لوحده. وبعدين لمحت ظرف أخير مستخبي تحت بوكيه ورد جنب المدفأة.
فتحته بحذر. جواه كان كارت كبير عليه عشرات الأسماء.
أهالي. طلاب. عائلات كاملة.
في الآخر، حد كاتب رسالة أخيرة.
صوت جين كان بيرتعش وهي بتقرأها
العالم محتاج مدرسين زيك. من فضلك ما تستسلميش معانا لأننا ما استسلمناش بخصوصك.
البيت سكت تماماً. وبعدين جين ضمت الكارت لصدرها وبدأت تعيط تاني.
حضنتها.
المرة دي، الدموع كانت مختلفة. ماكنتش دموع تعب، ولا دموع هزيمة، كانت دموع راحة.
لشهور، شفت مراتي بترجع البيت حاسة بالهزيمة. شفتها بتشك في نفسها، بتشك في مهنتها، بتشك إذا كانت الساعات الطويلة والتضحيات دي تستاهل.
المدرسين نادراً ما بيشوفوا الأثر اللي بيسيبوه وهما بيعملوه. بيزرعوا بذور من غير ما يعرفوا مين اللي هيطلع. بييجوا كل يوم من غير ما يعرفوا كام حياة غيروها بهدوء.
جين دفنت وشها في كتفي.
أنا كنت بجد هسيب الشغل، اعترفت.
عارف.
كنت بدأت أدور على شغل تاني.
بعدت عنها عشان أبص لها.
ودلوقتي؟
بصت حوالين الغرفة المليانة ورد. حوالين الكروت. حوالين دليل مئات الناس اللي مؤمنين بيها.
ابتسامة حقيقية. اللي بتوصل للعين.
أعتقد لازم أروح يوم الاثنين.
ضحكت أنتِ فاكرة؟
ضحكت هي كمان. الصوت ملى البيت بطريقة ما حصلتش من شهور.
بليل، بعد ما رتبنا الورد ورصينا الورق على ترابيزة السفرة، قعدنا سوا على الكنبة وسط الورد. افتكرت اللحظة اللي ركنت فيها العربية وشفت الورد ده لأول مرة. لدقائق مرعبة، كنت فاكر إنه علامة خيانة.
بدل كدة، طلعوا حاجة أقوى بكتير. كانوا دليل إن الخير بيوصل أبعد مما نتخيل. دليل إن التقدير أحياناً بيوصل لما بنكون محتاجينه أكتر حاجة. ودليل إنه بينما كانت مراتي بتقضي كل يوم بتعلم طلابها، كانت من غير ما تعرف بتعلمهم حاجة أهم بكتير
إزاي تقف جنب حد محتاج يتذكره إنه محبوب.
تفتكروا المدرسين بيلاقوا التقدير الكافي للأثر اللي بيسيبوه في حياة طلابهم، ولا بيتم التعامل معاهم على إنهم أمر مفروغ منه لحد ما يفوت الأوان؟