رجعت من سفرية شغل، ولقيت 100 وردة مرميين قدام باب البيت لمراتي... ولدقيقة واحدة بس حسيت إن جوازي انتهى
اتجمدت في مكانها.
مارك، قالت بصوت واطي ومتقطع، أنت عملت إيه؟
كان صوتها نص استغراب ونص حيرة. بصيت لها وقلت أنا اللي عملت إيه؟
خدت خطوة حذرة برا البيت وبصت حواليها كأن الورد ده ممكن يشرح نفسه بنفسه.
أنت مبعتش دول؟
لأ، رديت بحدة أكتر مما كنت أقصد، أنا لسه واصل البيت.
جين رمشت بعينيها وبصت لي وبعدين بصت للورد. أومال مين اللي بعتهم؟
حاولت أضحك، بس الضحكة طلعت مهزوزة. كنت فاكرك أنتِ اللي هتقولي لي.
بوقها اتفتح وبعدين قفلته. راقبت وشها بدقة، كنت بدور على حاجة مش عايز ألاقيها، بس كل اللي شفته كان صدمة بتتحول ببطء لذعر.
مارك، ماعنديش أي فكرة، قالت. يمكن يكون في غلط في التوصيل؟
مية وردة ده غلط محدد أوي يا جين.
حضنت نفسها بإيديها وقالت ما تقولهاش بالطريقة دي.
بطريقة إيه؟
كأنك فاكر إني أعرف حاجة.
بصيت بعيد، لأني في الحقيقة الشك كان خلاص اتسرب لعقلي وثبت فيه زي الحجر.
عينيها اتملت وجع. أنت بجد فاكر إن حد بعت لي كل ده وأنت مش موجود، وأنا نسيت أقولك؟
مش عارف أفكر في إيه.
رجعت لورا كأن كلامي لمسها فعلاً. للحظة، لا أنا ولا هي اتحركنا.
وبعدين لمحت حاجة.
ظرف أبيض صغير كان محشور في بوكيه ورد جنب مرجيحة البلكونة. وطيت قبل ما جين تلحق تقول حاجة، وطلعته وقلبته في إيدي. ماكانش في اسم، بس قلب صغير معوج مرسوم بقلم أزرق.
مارك، همست جين.
فتحت الظرف. جوه كان في ورقة مطوية مكتوبة بخط مش متساوي.
الجملة التانية خلت جين تغطي بوقها بإيديها. ولما قريت التالتة، إيدي بقت ترعش لدرجة إن الورقة كانت بتخبط في الظرف. لثواني، ماكنتش فاهم ليه.
وبعدين بصيت بتركيز أكتر.
الخط ماكانش أنيق ولا رومانسي. ماكانش خط حد بيحاول يوقع ست متجوزة. الحروف كانت كبيرة ومش متساوية، شوية طايرين فوق السطر وشوية نازلين تحت.
خط طفل.
اتنحنحت وقريت الورقة بصوت عالي
من فضلك ما تستقيليش.
الكلمات كانت بسيطة، بس رد فعلها كان فوري. كتافها اتشدت وعينيها اتسعت لما عرفت الحقيقة.
بصيت في الورقة وكملت
إحنا بنحبك كتير.
صوتي اتنبح وجين بدأت ترمش بسرعة. ولما وصلت للجملة الأخيرة، كانت الدموع خلاص اتجمعت في عينيها.
إحنا آسفين جداً.
ساد الصمت في البلكونة.
بصيت لفوق، جين ماكنتش بتبص للورد، كانت بتبص للورقة.
وبعدين هزت رأسها.
لأ، ما عملوش كدة.
كشرت جين؟
إيديها كانت بترعش وهي بتمدها عشان تاخد الورقة. اتفرجت عليها وهي بتقراها تاني، وبعدين بدأت تعيط.
مش عياط هادي. ولا عياط بكسوف. ده العياط اللي بيطلع من جوا الإنسان بعد شهور من محاولة التماسك.
رميت شنطتي فوراً وحضنتها.
يا جين، قلت بصوت حنين. كلميني.
دفنت وشها في صدري وفضلت تعيط وأنا حاضنها وسط بحر الورد. لما أخيرًا بعدت، مسحت عينيها وبصت حواليها في البلكونة كأنها بتشوف كل حاجة لأول مرة.
يا إلهي، همست.
بصيت للمكان وفهمت إن كل بوكيه ورد معاه كارت صغير. بعضها عليه ملاحظات مكتوبة بالإيد، وبعضها عليه أسماء أسماء أطفال، وأهالي، وعائلات.
معدتي اتقبضت لسبب تاني خالص.
جين، قلت بهدوء. دول من طلابك.
هزت رأسها وهي بتعيط بزيادة.
شهور طويلة، كنت بتفرج على مراتي وهي بتفقد جزء من نفسها. جين كانت بتحب التدريس أكتر من أي حد قابلته في حياتي. ماكنتش بتعتبره مجرد شغل، كانت بتعتبره رسالة.
كانت بتقضي السهرات بتصحح كراسات بعد العشا. كانت بتشتري أدوات للفصل من فلوسها. كانت فاكرة أعياد ميلادهم، والكتب اللي بيحبوها، ونقاط قوتهم حتى وهما مش شايفينها في نفسهم.
بس السنة دي كانت مختلفة.
الضغط كان بيلاحقها لحد البيت كل يوم. فاكر إني كنت بلاقيها قاعدة على ترابيزة المطبخ بعد نص الليل ومعاها كومة ورق وعنيها مليانة دموع.
مش عارفة إذا كنت هقدر أكمل كدة، كانت بتقول.
مرة تانية، نزلت المطبخ الساعة اتنين الصبح ولقيتها باصة في اللاب توب، وشكلها ميت من التعب.
لأني بكره لازم أدخل الفصل ده وأمثل إني مش فاشلة.
الذكرى دي لسه بتوجع.
أنتِ مش فاشلة.
ضحكت بمرارة أنت ما شفتش اللي حصل النهاردة.
وحكت لي عن المشاكل، والخناقات، والصراع المستمر عشان حد يسمعها. وأسوأ حاجة ماكانتش الطلبة، كانت إنها حاسة إنها غير مرئية ومحدش مقدر تعبها. كأن مهما ادت، مش كفاية.
قبل سفري بكام أسبوع، وصلت لأقصى مرحلة من الضغط. فاكرني وأنا واقف في المطبخ وهي بتكتب رسالة لجروب أولياء الأمور. صوابعها كانت متعلقة فوق الكيبورد لعشر دقايق قبل ما تدوس إرسال.
كتبتِ إيه؟ سألتها.
جين بصت للشاشة. لما ورتني الرسالة، قلبي اتكسر. كانت شرحت لهم إنها بتحب التدريس، بس هي تعبت. قالت لهم إنها بتعاني، وإذا الأمور كملت كدة، مش متأكدة إنها هتقدر تكمل.
بعدها، ندمت إنها بعتتها.
ماكنش لازم أعمل كدة، قالت.
ليه؟
عشان المدرسين مش مفروض يعترفوا إنهم بيغرقوا.
ودلوقتي، وأنا واقف في بلكونتنا ومحاط بالورد، أدركت إن الأهالي دول قريوا رسالتها، وسمعوها. جين ركعت جنب واحد من البوكيهات وخدت كارت تاني.
صوتها كان بيرتعش وهي بتقرأ شكراً لأنك خليت إيثان يثق في نفسه.
مسكت واحد تاني شكراً لأنك ما استسلمتيش بخصوص صوفيا.
كل ورقة شايلة رسالة مختلفة. كل كارت بيحكي نفس الحكاية. الناس اللي كانت فاكرة إنها خذلتهم كانوا مركزين معاها طول الوقت. بسرعة قعدنا على سلالم البلكونة، بنفتح الكروت سوا. بعضها من الأهالي،