في المطار، ليلى بنتي اللي عندها تسع سنين فتحت جراب الباسبور بتاعها وفجأة اتسمرت في مكانها، كان الجراب فاضي
في المطار، ليلى بنتي اللي عندها تسع سنين فتحت جراب الباسبور بتاعها وفجأة اتسمرت في مكانها، كان الجراب فاضي تماماً. وقفت في نص صالة المطار والذهول مالي عينيها، وكل اللي قدرت تعمله إنها بصت لي بدموع محبوسة. ورانا بكام خطوة، كانت حماتي طنط دولت واقفة وباصة لنا بابتسامة صفرا مريبة، كأنها كانت مستنية اللحظة دي بالظبط عشان تنفذ خطة مرسومة في دماغها. قالت بصوت مسموع ومستفز يا ريت ده يعلمها تحترم اللي أكبر منها شوية، وتبقى مسؤولة عن حاجتها. أخدت بنتي اللي كانت بتترعش من الموقف وروحنا على البيت، وكانت طول الطريق قاعدة ورا بتعيط في صمت، وأنا قلبي واجعني عليها من كتر القهر اللي شافته، خصوصاً إنها طفلة ومكنتش فاهمة ليه تيتة بتعمل معاها كده. لكن في نفس اليوم بالليل، واحنا قاعدين في البيت والهدوء مالي المكان، جات لنا رسالة على جروب العيلة على الواتساب، كانت صورة اتبعتت من شرم الشيخ، المكان اللي كنا مفروض نكون فيه دلوقتي. الصورة كانت لباسبور ليلى وهو مرمي بوضوح على سرير في أوتيل هناك، والرسالة اللي مكتوبة معاها من أخت جوزي مروة بتقول بنية ساذجة أو مقصودة بصوا لقينا إيه! الباسبور كان في شنطة تيتة، أكيد حطته بالغلط وهي بتوضب الشنط. في اللحظة دي، طارق جوزي اللي قضى سنين بيدافع عن أمه وبيبرر كل تصرفاتها، بدأ يراجع حسابات العيلة ومصاريفها اللي كان بيغطيها لها، وحصلت حالة من السكون التام، وبدأت ملامحه تتغير لأول مرة، حسيت إنه بدأ يربط الخيوط ببعضها وبطل يدافع عنها لأول مرة من يوم ما عرفته. كل حاجة بدأت لما ليلى، اللي كانت فرحانة برحلة شرم الشيخ اللي خططنا لها خمس شهور، قررت تحضر شنطتها بنفسها عشان تثبت لنا إنها كبرت ومسؤولة، كنا بنعد الأيام ونعلم على التقويم بقلوب مرسومة، وليلى كانت بتحكي عن الرحلة لكل قرايبها وصحابها. ولما وصلنا كاونتر الطيران، الموظف طلب الباسبور، ليلى فتحت الجراب بكل ثقة، بس ملقيتش حاجة. ماما.. همست وهي بتترعش، أنا متأكدة إنه كان هنا، أنا حطيته بإيدي. دورنا في كل حتة، في الشنطة، في الشنط الصغيرة، حتى في الهدوم اللي كنا طابقينها، الباسبور كان فص ملح وداب. حماتي دولت كانت واقفة قريبة مننا، بتبص لنا بنفس نظرة الشماتة اللي بتظهر لما حد فينا بيتحط في موقف محرج. الموظف اعتذر لنا وقال إن ليلى مش هينفع تسافر من غير الباسبور، بنتي انهارت من العياط وبتقول والله ما ضيعته، والله ما ضيعته. حضنتها جامد وقلت لها أنا مصدقاكي، مش لازم تثبتي حاجة لحد. حماتي اتنهدت بتمثيل وقالت يا حرام.. يمكن دلوقتي تتعلم تحافظ على الحاجات المهمة. بصيت لها وقلت لها بحزم مش وقته يا طنط. وجوزها عمي إبراهيم، اللي دايماً بيسمع كلام مراته، قال بصوت عالي مش مفروض بقيتنا يضيعوا الرحلة عشان طفلة مش مسؤولة، الطيارة مش هتستنى. وأخت جوزي مروة كملت عليهم بتلقائية خلاص يا جماعة، مفيش داعي نلغي، طارق ممكن يروح معانا وليلى تقعد مع مامتها وتاخدها بعدين. ليلى سمعت كل ده، وبصت لي بدموعها وهي خايفة لا أسيبها وأمشي أو أسيبها لوحدها، بس أنا مسكت الشنطة وقلت بصوت حاسم إحنا مروحين، مستحيل نسيبها هنا ونروح نتبسط. الطريق كان كئيب، ليلى عيطت لحد ما جابت آخرها، وكل شوية تهمس وتقول أنا آسفة. لما وصلنا البيت، ليلى نامت على الكنبة من كتر التعب والبكاء، وطارق لما رجع من الشغل وشافها، حكيت له كل اللي حصل، حكيت له عن نظرة أمه، وعن كلام عمي إبراهيم، واقتراح أخته مروة، وإزاي ليلى قضت النهار كله بتلوم نفسها. طارق قعد جنبها ومسح على شعرها، سنين وهو ساكت عن أمه، سنين وهو بيصلح غلطاتها وبيدفع ديونها وفواتيرها عشان هي اللي عودته يكون المنقذ للعيلة، لحد ما جاله مسج الصورة اللي كشفت الحقيقة. طارق اتصل بأمه، ردت ببرود وكأنها عملت إنجاز هي عارفة هي عملت إيه.. رفضت تحضني في العيد، وأنا مش هخلي طفلة تقلل مني قدام العيلة، ده درس عشان تعرف إن اللي مبيحترمنيش ملوش مكان معايا. ليلى كانت بس بتقول لا شكراً لما حد يطلب منها حضن، ده كان كل ذنبها، لأنها طفلة وليها خصوصيتها، وأنا وطارق كنا بنعلمها إن جسمها ملكها. بعد ما قفل معاها، طارق فضل قاعد ساكت فترة طويلة، وعيونه بدأت تلمع بغضب مكبوت، فتح اللاب توب بتاعه وبدأ يراجع كل الديون والفواتير اللي دفعها لأمه السنين اللي فاتت، كل مبلغ كان بيتحول، كل قسط شقة كان بيسدده لأخوه، كل تذكرة طيران كان بيحجزها ليهم. بص لي بهدوء غريب أول مرة أشوفه فيه وقال أمي كانت عايزة ليلى تتعلم درس في الاحترام، بس بكرة هي اللي هتتعلم درس في العواقب، أنا كنت مغيب، بس خلاص. تاني يوم، بدأ طارق تنفيذ خطته، اتصل بالبنك ووقف كل التوكيلات اللي كانت أمه وأخوه بيستخدموها في حساباته، وبعت رسالة شديدة اللهجة لأخوه بيقوله فيها إن من الشهر الجاي مفيش مساعدات تانية لشقة أو مصاريف شخصية، وإن الاعتماد على النفس هو الحل الوحيد. كارول قصدي دولت لما عرفت باللي