كل مره أخت جوزى تولد

لمحة نيوز

في نفس الوقت، كانت ياسمين في بيت أمها، لأنها اكتشفت إن النفاس من غير حد يخدمها طول الوقت مش سهل، واضطرت هي وأمها يعتمدوا على نفسهم، ويطلبوا مساعدة مدفوعة بدل ما يحملوا نادية كل المسؤولية. بعد أسبوع، اتفق طارق مع نادية على جلسة عند مستشار أسري، واتكلموا لأول مرة بهدوء عن كل اللي كان بيتراكم بينهم من سنين. وقالت له في نهاية الجلسة: "لو هنبدأ من جديد، يبقى فيه حدود واضحة. بيتي مش فندق، ووقتي وتعبي ليهم قيمة، وأي قرار يخص حياتنا لازم يكون بينا إحنا الاتنين". بص لها وقال: "موافق... ولو في يوم نسيت كلامي، فكّريني بالورقة اللي سبتِها على السفرة". ابتسمت لأول مرة من شهور، لأنها أخيرًا حسّت إن صوتها اتسمع، وإن احترامها بقى شرطًا لاستمرار أي علاقة، مش طلبًا تتوسل إليه.
مرت ستة شهور... المرة دي، ياسمين كانت جاية تزورهم زيارة عادية، وقبل ما تتحرك من بيتها، اتصلت بطارق وقالت: "إحنا هنقعد ساعتين ونمشي، ولو الوقت مش مناسب هنأجل". ابتسم طارق وقال: "استني، هسأل نادية الأول". سمعت نادية المكالمة، وبصتله بابتسامة خفيفة. لأول مرة، حسّت إن رأيها بقى يُحترم.
ولما وصلت ياسمين، دخلت وهي ماسكة باقة ورد صغيرة. وقفت قدام نادية وقالت بإحراج: "أنا مدينة ليكي باعتذار كبير... زمان كنت فاكرة إن كل اللي بتعمليه واجب، لكن لما جربت أشيل المسؤولية بنفسي، عرفت قد إيه كنتِ بتتعبي". ابتسمت نادية وقالت: "المهم إننا اتعلمنا". ومن يومها، اتغيرت العلاقة بينهم. بقى كل واحد يعرف حدوده، وكل زيارة تبقى باتفاق، وكل مساعدة تبقى بطلب واحترام، مش بالأوامر.
وفي مساء هادئ، كان طارق قاعد مع نادية في البلكونة، وقال لها: "عارفة... أكبر صدمة عملتيهالي مش إنك سيبتي البيت". بصتله باستغراب. قال: "الصدمة كانت إنك خليتيني أشوف نفسي زي ما كنت فعلًا... ولولا اللي عملتيه، كان ممكن أخسرك للأبد". ابتسمت نادية، وقالت: "البيت مش بيقف على شخص بيخدم الكل... البيت بيقف على ناس بتحترم بعض". ومن وقتها، بقى الاحترام هو أول شرط في بيتهم، قبل الحب وقبل أي شيء آخر.
بعد سنة كاملة... كانت نادية بتحضر شنطة صغيرة، وطارق بيساعدها يحط فيها هدوم البيبي. ابتسم وقال: "مستعدة؟". ضحكت وهي حاطة إيدها على بطنها: "مستعدة... بس المرة دي بشروطي". دخلت حماتها أوضة الصالون، وقالت بابتسامة: "إحنا فكرنا لما تولدي تيجي تقعدي عندي كام أسبوع، لو ده يناسبك". نادية بصتلها في هدوء. دي كانت أول مرة تسمع كلمة "لو ده يناسبك". ابتسمت وقالت: "أشكرك يا طنط، بس أنا والدكتور نصحني أفضل في بيتي، ولو احتجت مساعدة هقولكم". هزت حماتها رأسها وقالت: "تمام يا بنتي، اللي يريحك".
بعد الولادة، اتفاجأت نادية بحاجة عمرها ما كانت تتوقعها. ياسمين دخلت عليها شايلة صينية أكل، وقالت: "المرة دي أنا اللي جاية أخدمك يومين... وأرجع بيتي". ضحكت نادية وقالت: "مش مصدقة إنك إنتِ اللي بتقولي كده". ردت ياسمين: "لأن الإنسان بيتغير... لما يحس بتعب غيره".
وفي آخر اليوم، كانت نادية قاعدة تبص لابنها الصغير وهو نايم في حضن أبوه. افتكرت كل اللي مرت بيه، وعرفت إن وقفتها لنفسها ما هدمتش بيتها... لكنها أنقذته. ولو كانت سكتت زي كل مرة، كان الظلم هيستمر. لكن لما قالت لأ... اتغير كل شيء.
بعد ثلاث سنوات... كان البيت مليان ضحك، وابن نادية الصغير بيجري بين الأوض، وطارق بيحاول يلحقه وهو بيضحك. وفجأة رن جرس الباب. فتحت نادية، لقت ياسمين واقفة ومعاها التوأم، لكن المرة دي كانت شايلة معاها أكياس أكل وهدايا للأطفال. أول ما دخلت قالت: "متقلقيش... إحنا جايين نزور ساعة ونمشي، وكل اللي جبناه معانا". ضحكت نادية وقالت: "اتفضلي". وبعد ما قعدوا شوية، قامت ياسمين تدخل المطبخ. نادية قالت باستغراب: "رايحة فين؟". قالت: "هغسل الأطباق اللي استخدمناها قبل ما أمشي". ابتسمت نادية وهي تفتكر الأيام اللي كانت بتقضيها واقفة بالساعات تخدم الجميع من غير كلمة شكر.
وفي طريق خروجهم، وقفت حماتها قدام نادية وقالت: "أنا ظلمتك زمان... ويمكن اتأخرت في الاعتذار، لكن سامحيني". ردت نادية بهدوء: "أنا سامحت من زمان... لأني اخترت أعيش مرتاحة، مش شايلة كره لحد". احتضنتها حماتها لأول مرة من قلبها. ولما قفل الباب، بص طارق لمراته وقال: "فاكرة اليوم اللي قلتي فيه مش موافقة؟". ابتسمت وقالت: "أيوه". قال: "الكلمة دي غيرت حياتنا كلنا". ضحكت نادية وهي تبص لابنها وقالت: "أوقات كلمة واحدة، في وقتها الصح، بتنقذ عمر كامل".
بعد خمس سنوات... في عيد ميلاد ابن نادية، اجتمعت العائلة كلها في البيت. كان الجو مختلفًا تمامًا عن زمان. لا أوامر، ولا فرض، ولا استغلال. وأثناء الاحتفال، وقفت حماتها قدام الموجودين وقالت: "قبل ما نكمل، عايزة أقول كلمة". سكت الجميع. بصت لنادية وقالت: "زمان كنت فاكرة إن الست الشاطرة هي اللي تستحمل وتسكت، لكن نادية علمتني إن الست المحترمة هي اللي تعرف تحافظ على كرامتها من غير ما تظلم حد". ساد الصمت للحظات، ثم بدأت التصفيقات. اقتربت ياسمين من نادية، وأعطتها صندوقًا صغيرًا. فتحته، فوجدت بداخله سلسلة فضية محفور عليها: "شكرًا لأنك علمتينا معنى الاحترام".
امتلأت عينا نادية بالدموع، لكنها كانت دموع راحة، لا دموع قهر. وفي طريق عودتهم إلى البيت بعد انتهاء السهرة، أمسك طارق يد زوجته وقال: "لو رجع بيا الزمن، كنت هقف في صفك من أول يوم". ابتسمت نادية وقالت: "المهم إنك وقفت في الآخر... لأن الاعتراف بالغلط بداية أي تغيير". رفع ابنهما الصغير رأسه وسأل ببراءة: "بابا... يعني ماما بطلة؟". ضحك طارق وقال وهو ينظر إلى نادية: "أيوه يا حبيبي... بطلة، لأنها دافعت عن حقها من غير ما تظلم حد". ابتسمت نادية وهي تضم طفلها إلى صدرها، وشعرت أن كل الألم الذي عاشته كان ثمنًا لحياة أكثر احترامًا وهدوءًا.
بعد عشر سنوات... كان ابن نادية في الصف الخامس الابتدائي، والتوأم أولاد ياسمين بقوا بيجروا في البيت ويلعبوا معاه، والعيلة كلها اتجمعت في مناسبة عائلية. وأثناء القعدة، قالت ياسمين وهي بتضحك: "فاكرين اليوم اللي كنا رايحين ننزل شنط النفاس عند نادية؟". ضحك الكل... حتى نادية. وقالت: "وقتها كنتوا فاكرين إني هسكت كالعادة". ردت حماتها وهي تهز رأسها: "ولولا إنك رفضتي، كان زماننا لسه بنكرر نفس الغلط".
سكت الجميع للحظة، ثم قال طارق وهو ينظر لأولاده: "في حاجة لازم تعرفوها... البيت مش بيقوم على شخص واحد يشيل كل الحمل، البيت بيقوم على المشاركة والاحترام". هز الأولاد رؤوسهم، وكأنهم حفظوا الدرس. وفي نهاية السهرة، خرجت نادية إلى شرفة البيت، تنظر إلى السماء، وتذكرت نفسها قبل سنوات، وهي تبكي وحدها لأنها كانت تشعر أن لا أحد يسمعها. ابتسمت لنفسها وهمست: "الحمد لله... أنا اخترت نفسي في الوقت الصح". دخل طارق ووقف بجوارها، وقال: "جاهزة ننزل نستقبل الضيوف؟". ابتسمت وهي تمسك يده: "جاهزة... لأن بيتي بقى فعلًا بيتي". ونزل الاثنان معًا، وقد أصبح الاحترام عادة، والتقدير أسلوب حياة، بعدما كان مجرد حلم بعيد.
 

تم نسخ الرابط