إنتِ بجد فاكرة إن واحدة تخينة زيك تستاهل تبقى مراتي؟!
سرعة: "موافق طبعًا"، وبصلي بثقة، ثقة شخص فاكر إنه كسب. بعدها المأذون بصلي أنا: "وإنتِ يا آنسة ندى موافقة؟".
القاعة كلها سكتت ثواني طويلة، وبعدين قلت: "لا".
صوت شهقات اتملّى بيه المكان، وكريم اتجمد: "إيه؟!". مدام سهير قامت واقفة: "إنتِ اتجننتي؟!".
لكنني استدرت ناحية الحضور وقلت بصوت واضح: "قبل ما أوافق على أي راجل لازم الناس تعرف هو مين". في اللحظة دي قامت محاميتي أستاذة ياسمين رفعت، وضغطت زر في جهاز صغير، وفجأة اشتغلت الشاشات العملاقة الموجودة في القاعة.
في البداية افتكروا إنها صور الخطوبة، لكن بدل الصور طلع صوت كريم واضح جدًا: "إنتِ بجد فاكرة إن واحدة تخينة زيك تستاهل تبقى مراتي؟". القاعة كلها اتجمدت، وكأن الزمن وقف. الصوت كمل: "أول ما الجواز يتم هتمضي على نقل إدارة المستشفى، أمي هتتصرف في كل حاجة، إحنا محتاجين المستشفى مش أكتر".
وجوه المعازيم اتغيرت، وبدأت الهمسات تنتشر، أما مدام سهير فكان وشها بيخسر لونه ثانية بعد ثانية. لكن المفاجأة الأكبر لسه جاية، ظهر تسجيل تاني؛ كريم وأمه وشريكهم المحامي الفاسد قاعدين بيتكلموا عن خطة الاستيلاء على المستشفى، وتزوير أوراق، وإخراجي من الإدارة بعد الجواز، بل وحتى تشويه سمعتي لو رفضت.
أحد الضيوف صاح: "يا نهار أبيض!". وفي آخر القاعة وقف رجال ببدل رسمية، ضباط من جهات التحقيق. كريم شافهم ووشه اصفر بالكامل، جري ناحيتي: "ندى اسمعيني.. خلاص يا كريم، إحنا ممكن نحل الموضوع، زي ما كنت ناوي.. تحل حياتي؟".
كنت غلطان، ضحكت لأول مرة ضحكة حقيقية وقلت: "لا، إنت ما كنتش غلطان، إنت كنت فاكرني ضعيفة، وده أكبر غلط عملته في حياتك كلها".
في نفس اللحظة دخلت الشرطة القاعة، واتجهت مباشرة ناحية الشريك والمحامي، وبدأت إجراءات التحقيق. أما كريم فكان واقف وسط الناس لأول مرة في حياته من غير سلطة، ومن غير نفوذ، ومن غير حد يصدقه، وبدأ يفهم إن الفضيحة اللي كان بيجهزها لغيره هي اللي هتدمره هو.
القاعة كلها كانت في حالة صدمة، الناس اللي جت تحضر فرح أسطوري بقت بتتفرج على سقوط مدوّي. كريم وقف في نص القاعة مذهول، ووالدته مدام سهير كانت بتحاول تتكلم، لكن ولا كلمة كانت طالعة صح. أما أنا فكنت واقفة بهدوء لأول مرة من شهور، كأني شلت حمل تقيل من فوق قلبي.
فجأة صرخت مدام سهير: "كفاية تمثيل! المستشفى أصلًا ما كانتش هتبقى بتاعتك لوحدك!". ابتسمت لأني كنت مستنية الجملة دي، وأشرت لمحامي والدي، المستشار محمود الشافعي، اللي كان قاعد بين المعازيم. وقف بهدوء وطلع ملف قديم مختوم وقال: "بما إن الموضوع اتفتح قدام الجميع، يبقى لازم الحقيقة كلها تتقال".
القاعة سكتت وفتح الملف: "قبل وفاة الدكتور حسام منصور بست شهور، تم إنشاء هيكل قانوني جديد للمستشفى". كريم رفع رأسه فجأة: "يعني إيه؟". المستشار ابتسم: "يعني إن المستشفى مش ممكن تنتقل لأي شخص عن طريق الزواج أو التوكيلات أو التنازل".
وش كريم بدأ يتغير، وأمه شهقت: "مستحيل!".
- "بالعكس حقيقي جدًا". وأخرج ورقة أخيرة: "والأستاذة ندى هي المالكة والمديرة الوحيدة للمجموعة الطبية بالكامل، ولا يحق لأي زوج حالي أو مستقبلي التصرف في سهم واحد منها".
كريم اتراجع خطوة للخلف كأنه اتلقى ضربة في صدره، يعني كل الخطة اللي رسمتوها من البداية كانت فاشلة قبل ما تبدأ. الناس بدأت تتكلم بصوت عالي، والصحفيين الموجودين في القاعة بدأوا يصوروا. كريم حاول يقرب مني: "ندى والله أنا كنت بحبك". بصيتله ثواني ثم ضحكت ضحكة قصيرة مليانة وجع قديم: "بتحبني؟ أيوه.. إمتى؟ قبل ما تناديني تخينة؟ ولا قبل ما تخطط تسرق شغل أبويا؟ ولا قبل ما تتفقوا تدمروا سمعتي لو رفضت؟". سكت لأنه ما كانش عنده رد.
في تلك اللحظة اقتربت مدام سهير، ولأول مرة اختفت منها نبرة الغرور وقالت: "ندى إحنا ممكن نتفاهم".
- "بعد إيه؟".
- "نحل الموضوع بينا". هززت راسي: "أنا حاولت أبقى عيلة ليكم، لكن إنتوا شفتوني صفقة، ومفيش صفقة بتكمل لما الاحترام يموت".
بعد أسابيع قليلة بدأت التحقيقات الرسمية، الشريك اتقبض عليه، والمحامي اتشطب من النقابة بعد ثبوت تورطه، أما كريم فخسر منصبه في الشركة العائلية، وخسر ثقة الناس، وخسر سمعته، وفي عالمه كانت دي أكبر خسارة ممكنة.
بعد سنة كاملة افتتحت فرع جديد من مستشفيات منصور، وكان الافتتاح في نفس اليوم اللي كان المفروض يبقى عيد جوازي الأول. وقفت على المسرح وسط الأطباء والعاملين وبصيت للافتة الكبيرة اللي شايلة اسم أبويا، وحسيت بالفخر، مش لأني انتصرت عليهم، لكن لأني ما سمحتش لهم يكسروني.
وفي نهاية الحفل جت بنت صغيرة من مرضى المستشفى وقدمتلي وردة بيضا وقالت بابتسامة: "ماما بتقول إنك ست قوية". نزلت لمستواها وأخدت الوردة، وساعتها فهمت حاجة مهمة؛ إن القوة الحقيقية مش إنك تنتقم، القوة إنك تنجو وتكمل وتنجح رغم كل اللي كان بيتمنى سقوطك.
أما كريم الشناوي فآخر خبر سمعته عنه إنه كان بيحاول يبدأ من جديد بعد ما خسر كل حاجة، لكن بعض السقوط لا يبدأ يوم الفشل، بل يبدأ يوم يستهين الإنسان بالشخص الخطأ.
النهاية.