بعد خمس سنوات
استمرت الجلسة ثلاث ساعات، وعندما انتهت خرج أقل ابتسامًا بكثير؛ لأنه اكتشف أن البيت لم يكن ملكًا خالصًا لسامر، والمركبات كذلك، كما أن عدة حسابات كان يظن أنه سيرثها كانت مرتبطة بديون ومراجعات مالية معقدة.
وعندما خرجنا اقترب مني مصطفى غاضبًا: «ماذا فعلتِ بنا؟»
«لا شيء.»
«كاذبة!»
«لا.» عدلت حقيبتي على كتفي ثم قلت: «أنا فقط توقفت عن فعل ما كنتم تتوقعونه مني.»
اشتعلت عيناه غضبًا: «أبي أعطاك كل شيء.»
فضحكت ضحكة حقيقية ثم اقتربت قليلًا وقلت: «لا يا مصطفى، أنا من أعطاه كل شيء.»
مرت الأسابيع، وتفاقمت مشاكل سامر المالية، وبدأ شيء غريب يحدث؛ بدأت أعيش من جديد. في البداية كانت أمورًا بسيطة، ثم عدت أضع العطر، واشتريت ملابس جديدة، وقصصت شعري، وعدت إلى النادي الرياضي. وفي كل مرة أنظر فيها إلى المرآة كنت أكتشف امرأة اختفت لسنوات تحت التعب والمسؤوليات والتضحية.
بعد ثلاثة أشهر تلقيت اتصالًا من مركز التأهيل: «السيدة سارة؟»
«نعم.»
«نحتاج إلى التحدث بشأن السيد سامر.»
تسارع نبض قلبي: «ماذا حدث؟»
ساد صمت قصير ثم قالت: «لقد رفض ثلاثة مقدمي رعاية محترفين، ويقول إنه لا يقبل المساعدة إلا منكِ.»
أغمضت عيني وأخذت نفسًا عميقًا ثم زفرت ببطء: «إذًا عليه أن يعتاد على الأمر.»
«ألا تنوين العودة؟»
نظرت عبر النافذة؛ كانت أشعة الشمس تدخل إلى المطبخ، وفنجان قهوتي لا يزال دافئًا، وحياتي لا تزال تمضي إلى الأمام. قلت: «لا.» وأغلقت الهاتف.
في تلك الليلة طرق أحدهم باب منزلي، فتحت الباب وتجمدت في مكاني؛ كان سامر، يجلس على كرسيه المتحرك، وحيدًا تحت المطر ومبتلًا بالكامل. رأيت سيارة الأجرة تبتعد في نهاية الشارع، رفع عينيه نحوي وبدا مهزومًا وقال: «كنت بحاجة لأن أراك.»
أردت أن أغلق الباب، حقًا أردت ذلك، لكن شيئًا ما منعني، ربما الفضول أو الحاجة إلى إغلاق جرح قديم، فسمحت له بالدخول.
بقي صامتًا وهو ينظر إلى البيت وكأنه لم يعد يعرفه أو أدرك أنه لم يعد ملكه. وأخيرًا قال: «مصطفى رحل، عندما عرف أنه لن يحصل على الميراث، حتى اتصالاتي لم يعد يرد عليها.»
شعرت بشيء داخلي، لم يكن شماتة، بل شفقة، لأنني كنت أشاهد رجلًا يكتشف متأخرًا جدًا نتائج أفعاله.
«أنا آسفة.»
فرفع رأسه: «وأنا أيضًا.»
«وأنت أيضًا ماذا؟»
قال بصوت مكسور: «أنا أيضًا خسرت.»
هززت رأسي بلطف: «وأنا أيضًا خسرت خمس سنوات من عمري.»
امتلأت عيناه بالدموع وقال: «سارة...»
«لا.» قاطعتُه بهدوء: «ليس بعد الآن.»
كانت قطرات المطر تضرب النوافذ، والصمت يملأ الصالة إلى أن سأل: «هل أحببتِني يومًا؟»
خرج الجواب مني دون تفكير: «أكثر مما كان ينبغي.»
أغلق عينيه وبكى، لأنه فهم أخيرًا أنه لم يخسر ممرضة ولا خادمة ولا طباخة، بل خسر الإنسان الوحيد الذي كان مستعدًا للبقاء معه حين غادر الجميع، وهذه خسارة لا يستطيع أي محامٍ إصلاحها.
بعد دقائق مسح وجهه، وأدار كرسيه ببطء نحو الباب. وقبل أن يخرج توقف دون أن يلتفت وقال: «هناك شيء لم أخبرك به أبدًا.»
«ماذا؟»
تأخر في الإجابة ثم قال بصوت بالكاد سمعته: «الحادث الذي تعرضت له على طريق بغداد الحلة... لم يكن حادثًا.»
شعرت وكأن العالم توقف؛ المطر، والساعة، وحتى أنفاسي. كان سامر لا يزال يدير ظهره لي، وحين أدار وجهه نحوي رأيت خوفًا لم أعرفه فيه من قبل وقال: «هناك شخص يبحث عني منذ سنوات يا سارة.»
بدأ قلبي يخفق بعنف، لأن ملامح سامر لم تكن ملامح رجل يشعر بالندم، بل كانت ملامح رجل يعيش في رعب حقيقي، ولأول مرة أدركت أن ذلك الحادث لم يكن سوى بداية قصة أكثر ظلامًا بكثير.