رميت كومة سبائك دهب فالسو في الزبالة
بمجرد أن ظنت نفسها قد أصبحت ثرية، ظهر وجهها الحقيقي والمليء بالجشع والنكران!
في وقت لاحق من ذلك اليوم، أخبرني ابني أن جدته اتصلت بوالده محمد بالفعل، وطلبت منه دفع كافة تكاليف المستشفى. لقد كانت حريصة كل الحرص على ألا ينفق ابنها الأصغر المحبوب وزوجته قرشًا واحدًا من جيبهما!
وفي نفس الليلة، وأثناء تصفحي لهاتفي، رأيت بالصدفة منشورًا لشيماء في مجموعة مغلقة للأصدقاء وهي تشتكي بمرارة وتكتب تلك العجوز الشمطاء أصبحت لا تطاق، تتصرف كالملكة وتتحكم في كل صغيرة وكبيرة، لولا ال 5 ملايين لكنتُ قد ألقيت بها في الشارع منذ اللحظة الأولى!
ابتسمتُ ببرود؛ فالقنبلة الموقوتة أوشكت على الانفجار، ولم يعد يفصلنا عن الحقيقة إلا خطوة واحدة.
4
بعد مرور عدة أيام، تم تخريج الحاجة فاطمة من المستشفى وعادت إلى منزل ابنها الأصغر أحمد. وفي نفس اليوم، توجهت شيماء برفقة زوجها إلى البنك وهي تحمل البطاقة البنكية التي سرقتها الحاجة فاطمة مني والتي ظنت العجوز أنها بطاقتها المليئة بمدخرات ال 7 سنوات.
كانت شيماء تحلم بسحب ال 500 ألف جنيه فورًا لتبدأ في التخطيط لحياتها الفارهة. ولكن عند الصراف، تم حجز البطاقة وأخبرهم الموظف ببرود هذه البطاقة تم الإبلاغ عن ضياعها وتجميدها من قبل صاحبتها الأصلية أميرة منذ أسبوع، وهي الآن ملغاة تمامًا ولا تحتوي على مليم واحد يمكنكم سحبه.
صُعقت شيماء وتملكها غضب عارم أعمى بصيرتها. عادت إلى المنزل كالمجنونة، ودخلت الغرفة على الحاجة فاطمة وهي تصرخ بأعلى صوتها
أيتها العجوز الكاذبة!
لقد خدعتنا! البطاقة البنكية مجمدة وباسم أميرة، ولا يوجد بها قرش واحد لنا! أين المال؟ أين ال 500 ألف؟!
فوجئت الحاجة فاطمة بالهجوم وقالت بزهول وخوف هذا مستحيل! تلك الأموال لي، لقد جمعتها طوال 7 سنوات!
صرخت شيماء أنتِ مجرد كاذبة وسارقة! وإذا كانت هذه البطاقة كذبة، فبالتأكيد كذبة ال 5 ملايين جنيه من الذهب هي كذبة أكبر!
لم تنتظر شيماء لحظة واحدة، بل ركضت نحو الخزانة التي كانت الحاجة فاطمة تخبئ فيها سبائك الذهب المزيفة. قامت بكسر القفل بعنف وأخرجت السبائك، ثم توجهت بها فورًا وبسرعة جنونية إلى أكبر محل صاغة في المنطقة لإعادة فحصها بشكل رسمي، تاركة العجوز في حالة من الرعب والصدمة.
دخلت شيماء المحل وألقت بالسبائك أمام الصائغ قائلة بنبرة مرتجفة افحص لي هذه بسرعة!
أخذ الصائغ السبائك، ونظر إليها لثوانٍ قليلية، ثم أطلق ضحكة ساخرة وقال يا مدام، هذا ليس ذهبًا على الإطلاق. هذه مجرد سبائك من النحاس المطلي بطلاء ذهبي رخيص، وهي تستخدم فقط كديكور في الحفلات وأعياد الميلاد. قيمتها كلها لا تتعدى بضع مئات من الجنيهات!
سقطت الكلمات على رأس شيماء كالصاعقة. شعرت فجأة بمدى الغباء والمهانة التي تعرضت لها. لقد تذللت، ونفخت في الماء الساخن، وتحملت الإهانات، وقبلت الأقدام طوال أسبوعين من أجل كومة من النحاس الخردة!
5
عادت شيماء إلى الشقة وعيناها تشتعلان بشرر الغضب والانتقام. وبمجرد أن فتح أحمد الباب، دفعتها بقوة لتدخل إلى الصالة حيث كانت الحاجة فاطمة تجلس منتظرة بلهفة.
ألقت شيماء بسبائك النحاس في وجه الحاجة فاطمة لتتناثر على الأرض، وصرخت بصوت هز أرجاء البناية
5 ملايين جنيه؟! ذهب خالص؟! أيتها العجوز الخرفة المحتالة! لقد جعلتِ مني أضحوكة أمام الصائغ! هذا مجرد نحاس مزيف قيمته صفر!
ذهلت الحاجة فاطمة، والتقطت سبيكة من الأرض وهي ترتجف وتقول بغير تصديق مستحيل.. لقد وجدتها في القمامة.. وجدتها في بيت أميرة.. أميرة غنية ومستحيل أن تضع في بيتها ذهبًا مزيفًا! جدتكِ قالت إنه حقيقي!
قاطعتها شيماء بصفعة قوية على الطاولة وجسدها يرتعش من الغيظ جدتي نظهرها ضعف في الشيخوخة ولم تعد تميز! لكن الصائغ أكد أنه نحاس رخيص! لقد خدعتِنا لتأتي وتعيشي هنا وتأكلي وتشربي على حسابنا!
التفتت شيماء إلى زوجها أحمد وصرخت فيه انظر إلى أمك الغبية! انظر كيف جعلت منا مجانين أمام الناس! الآن خذ هذه العجوز الشمطاء واطردها خارج منزلي فورًا! لا أريد رؤية وجهها هنا ولو لثانية واحدة، وإلا رميتُ نفسي ورميتُ ابنك من الشرفة!
أحمد، وكعادته كرجل بلا شخصية وخاضع تمامًا لزوجته، نظر إلى أمه المستلقية على الأرض وهي تبكي وتستعطفه يا أحمد.. أنا أمك.. ليس لي مكان أذهب إليه.. أرجوك لا تطردني..
لكن أحمد أدار وجهه عنها ببرود، وأمسك بكتفها بقسوة وقام بجرها نحو باب الشقة، ثم ألقى بحقيبتها الصغيرة وراءها وأغلق الباب بعنف في وجهها.
6
وجدت الحاجة فاطمة نفسها مرة أخرى ملقاة في الشارع، بلا أموال، بلا مأوى، وبلا الذهب الوهمي الذي ظنت أنه سينقذ شيخوختها. بكت بحرقة وندم، وتذكرت فجأة ال 7 سنوات التي عاشتها في منزلي؛ حيث كانت تنام على فراش وثير، وتأكل أفضل الطعام، وتجد من يحترمها ويبرها دون مقابل.
أمسكت بهاتفها بملء الأمل المتبقي، واتصلت بابنها الأكبر محمد وهي تنتحب يا محمد.. يا بني.. أنقذني.. شيماء وأحمد طردوني في الشارع.. أنا نمت على الرصيف.. أرجوك تعالَ وخذني إلى بيتك الكبير..
لكن محمد، الذي كان يجلس بجانبي في الصالة بعد أن علم بكل شيء من البنك ومن فواتير المستشفى ومن حقيقة الذهب المزيف، تنهد بنبرة مليئة بالألم والخذلان الشديد، وقال لها بصوت حازم وجاف
يا أمي.. لقد أخبرتِ شيماء أنكِ لم تكوني تنوين إعطائي أنا وزوجتي وأولادي ولو قرشًا واحدًا من ال 5 ملايين التي ظننتِ أنها معكِ.. لقد ناديتِ زوجتي التي خدمتكِ بتلك المرأة واعتبرتِها لا تستحق حتى ذكر اسمها..
لقد تركتِ ابني ينزف لمدة 5 ساعات كاملة ولم تنقذيه إلا بعد أن تأكدتِ من تحويل المال.. بينما أعطيتِ كل مدخراتكِ لابن شيماء التي طردتكِ.
أنا سأظل بارًا بكِ لأنكِ أمي؛ سأدفع لكِ إيجار غرفة صغيرة بسيطة في منطقة عشوائية، وسأرسل لكِ مبلغًا زهيدًا جداً يضمن لكِ العيش والكفاف فقط.. لكن دخلوِكِ إلى بيتي مجددًا، أو رؤية زوجتي وأولادي، هو أمر محرم عليكِ إلى يوم الدين. اذهبي وابحثي عن ابنكِ المحبوب الأصغر ليبرّكِ بذهبه الخالص.
أغلق محمد الخط، وانفجر في البكاء ندماً على برّه الأعمى لها طوال السنوات الماضية. بينما جلستُ أنا بجانبه، أرتشف كوبًا من الشاي الساخن بهدوء، وأنا أنظر من النافذة، وأعلم تمامًا أن العدالة الإلهية قد تحققت، وأن من يبيع الإخلاص والوفاء من أجل وهم المال والتحيز، لن يحصد في النهاية سوى الخسارة والندم التام وسط الشارع.
انتهت القصة.