قضيت طفولتي كلها متمرمط في ملجأ

لمحة نيوز

​دموعي نزلت من غير ما أحس. مش عشان الشقة، ولا عشان الفلوس.. عشان طلعت غالي عندها. عشان الست دي طلعت بتفكر في حمايتي حتى وهي بتموت. أخدت المفتاح والعلبة الصاج، وجريت على محطة المترو. ركبت ونزلت في محطة وسط البلد، وفضلت أدور على عمارة "البرنس". كانت عمارة قديمة من طراز فرنسي، طلعت الدور الرابع، ووقفت قدام الشقة نمرة 12. إيدي كانت بترتعش وأنا بحط المفتاح في الكالون. لفتين.. والباب اتفتح. الشقة كانت واسعة جداً، والتراب مغطي العفش المتغطي بملايات بيضا. مشيت بخطوات بطيئة لغاية ما وصلت لأوضة النوم الكبيرة. فتحت الدولاب الخشب الضخم.. وفي الرف الوسطاني، لقيت صندوق خشب صغير محفور عليه أرابيسك. فتحت الصندوق.. ولقيت جواه تلات حاجات: دفتر توفير في البنك باسمي وفيه مبلغ كبير يسندني طول عمري، وألبوم صور قديم، وجواب تاني صغير.

​قعدت على طرف السرير، وفتحت الجواب التاني. كان مكتوب بخط مهزوز أكتر من الأولاني: "حسن يا بني.. لو أنت بتقرا الكلام ده دلوقتي، يبقى أنت دخلت الشقة وشوفت حاجتي. الفلوس اللي في الدفتر دي حقك، تعوضك عن كل يوم نمت فيه زعلان أو جوعان في الملجأ. بس الأهم من الفلوس هو الألبوم اللي جنبك ده. افتحه وبص في الصورة نمرة خمسة."

​بسرعة، سيبت الجواب وفتحت ألبوم الصور. كان مليان صور للحاجة روكا وهي شبابة، وصور لزوجها الله يرحمه اللي مات من زمان ومخلفوش. لحد ما وصلت للصورة رقم خمسة. كان صورة لراجل شاب في أواخر العشرينات، لابس بدلة قديمة من بتاعة السبعينات، وواقف مبتسم في جنينة. الراجل ده.. ملامحه مش غريبة عليّ. رجعت بسرعة للجواب عشان أفهم: "الراجل اللي في الصورة ده يبقى ‘إبراهيم’.. أخويا الصغير. إبراهيم ده كان طايش، ودخل في سكة غلط، واتسجن في قضية كبيرة لما كان شاب ومات جوة السجن من عشرين سنة. إبراهيم قبل ما يتسجن، كان متجوز بنت من ورايا، والبنت دي حملت وولدت في مستشفى حكومي، ولما عرفت إن جوزها هيقضي عمره في السجن، خافت من الفضيحة ورمت الطفل في المستشفى وهربت.. الطفل ده يا حسن، كان أنت."

​صدمة الحقيقة.. الورقة وقعت من إيدي. الدنيا لفت بيا. أنا؟ أنا ابن إبراهيم؟ يعني الحاجة روكا تبقى.. تبقى عمّتي؟! رجعت أقرأ السطور الجاية بدموع مغرقة عنيا: "أنا عرفت طريقك من سنين يا حسن. سألت ودورت ورا قصة إبراهيم لحد ما وصلت للملجأ اللي كنت فيه، وعرفت إنك لما كبرت جيت سكنت في منطقتي. أنا منقلتش جيرتي جنب شقتك بالصدفة، أنا جيت عشان أكون جنبك. بس كنت خايفة.. خايفة أقولك الحقيقة تكرهني وتقول إني سيبتك للملاجئ، وخايفة أقولك إن أبوك مات في السجن فتتكسر أكتر. كنت عايزة أقرب منك الأول، أخليك تحبني لشخصي مش عشان صلة الدم. ولما لقيتك غلبان وبتكافح وشهم، وثقت فيك. أنا مكنتش برسم عليك لما قلت لك هيديك ورثي.. أنا فعلاً سيبت لك كل اللي حيلتي، لأنك الوريث الوحيد والشرعي لقلبي ودمي. الشراب الأخضر المعفن اللي غزلته لك ده.. كان غزل بحب أم وعمة، مكنش مجرد شراب. سامحني يا بني إني مقلتلكش في وشك.. بس خوفي من خسارتك كان أكبر من شجاعتي."

​أنا قعدت في الأرض أعيط بصوت عالي.. عياط عشرين سنة كبت وحرمان. أنا مش مقطوع من شجرة.. أنا ليا أصل، وليا عمة كانت بتموت فيّ، وليا أب—حتى لو غلط—بس كان فيه قلب حنين بيفكر فيّ من خلال أخته. في اللحظة دي، الباب بتاع الشقة خبط. كانت بنت أختها—اللي أخدت الذهب في الوصية—ومعاها جوزها، ووشهم قالب ألوان. بصت لي بقرف وقالت: "أنت بتعمل إيه هنا يا شحات؟ أنت جاي تسرق الشقة كمان بعد ما ضحكت على خالتو وأخدت منها اللي وراها واللي قدامها؟" جوزها زعق: "إحنا هنجيب لك البوليس.. الشقة دي ملك العيلة، وأنت حتة عيل صايع كنت بتشيل لها الطلبات عشان الكام قرش!"

​بصيت لهم بهدوء شديد.. دخلت الأوضة، جبت العقد المسجل بالشهر العقاري، وطلعت وقفت على الباب. قلت لهم بابتسامة ثقة: "أولاً، اتفضلوا اتكلموا بأدب عشان مأرميكوش من على السلم. ثانياً، الشقة دي باسم حسن إبراهيم، يعني باسمي بيع وشراء من ست شهور.. يعني قانوناً، لو عتبتوا عتبة الشقة دي، هعمل لكم قضية تهجم." بنت أختها برقت وقالت: "أنت؟ أنت تملك الشقة دي؟ خالتو كتبت لك الشقة دي؟ دي شقة تسوى ملايين!" قلت لها ونبرة صوتي مليانة فخر وحزن في نفس الوقت: "الحاجة روكا مأديتنيش شقة وملايين بس.. الحاجة روكا أدتني عمري اللي فات وعمري اللي جاي. أدتني اسم وأصل.. الحاجة روكا تبقى عمتي يا مدام. يعني أنا صاحب البيت، وأنتم ضيوف تقال مش مرغوب فيهم.. يلا، طريقكم أخضر."

​قفل الباب في وشهم، ورجعت قعدت وسط الشقة الواسعة. بصيت لصورة "إبراهيم" أبويا، وبصيت لصورة عمتي "روكا". لبست الشراب الصوف الأخضر اللي كانت غازلاه لي.. ورغم إنه كان واسع وشكله غريب، بس حسيت بدفا غريب بيسري في رجلي وفي قلبي. دفا عمري ما حسيته وأنا في غرف الملجأ الضلمة الباردة. نزلت تحت، رحت لأقرب محل ورد، واشتريت باقة ورد بلدي حمراء من اللي كانت بتحبها، ورحت للمقابر.. قعدت جنب قبرها، وقريت لها الفاتحة، وقلت لها: "شكراً يا عمتي.. شكراً إنك مسبتنيش لوحدي.. وحقك عليّ، أنا هحافظ على اسمك وعلى ورثك، ومن النهاردة، حسن مش هيبقى لوحده تاني." ومشيت وأنا حاسس إن روحي خفيفة، وإن الدنيا—لأول مرة—بتضحك لي بجد.

تم نسخ الرابط