سرقة العقد - حكايات زهرة
العقد ده.. العقد ده كان في خزنته الخاصة اللي في مكتبه برا الفيلّا، وهو اللي مديهوني بإيده قبل ما يموت عشان أأمن بيه مستقبلي أنا وابنه، ولما جيت هنا النهاردة، مكنتش جاية أشتغل شغالة، أنا كنت جاية عشان أواجهك وأوريكي ابن جوزك.. بس العقد ده كان معايا في شنطتي من الصبح ومطلعتهوش!.
في اللحظة دي، وأنا واقفة في وسط الزحمة، الدنيا كانت بتلف بيا أسرع من الأول. أنا وبنتي ليلى كنا زي الأصنام. كلام زينب نزل عليا زي المطرقة. العقد كان معاها من الصبح في الشنطة؟!.. طب والعقد اللي بنتي سرقته وأنا أخدته منها وحطيته في الشنطة؟!! بصيت لليلى بسرعة، لقيت عينيها طالعة لبرة من الرعب، وبتشاورلي على شنطتها المفتوحة برعشة.. فتحت عيني بذهول، وبصيت على الشنطة القماش اللي في إيد الظابط.. كان فيه لمعة تانية طالعة من جوه الجيب المفتوح!
الظابط، وهو بيفتش الشنطة تاني عشان يشوف لو فيه مستندات تانية، إيده خبطت في حاجة.. سحبها براحة.. وطلع عقد تاني!! عقد تاني خالص، نسخة طبق الأصل من العقد الأولاني، بس القفل بتاعه مكسور! الظابط بص للعقدين اللي في إيده.. واحد قفله سليم وبيبرق، والتاني قفله مكسور.. وبص لنيرمين وقالها هو أنتِ كان عندك عقدين يا نيرمين هانم؟. نيرمين بصت للعقد المكسور وصرخت لا! ده عقدي أنا! ده اللي قفله اتكسر النهاردة وسيبته على التربيزة! أمال العقد التاني ده إيه؟. زينب بصت للعقد السليم وقالت بدموع ده عقدي أنا.. المرحوم كان عامل اتنين زي بعض بالظبط، واحد ليكي وواحد ليا.. أنا جيت النهاردة ومعايا عقدي عشان أثبتلك صدق كلامي لما أواجهك.. لكن العقد المكسور ده.. ده مش بتاعي! أنا معرفش جه في شنطتي إزاي!.
الظابط ذكاءه ومحسه الأمني اشتغلوا.. بص للقاعة كلها وقال بصوت جهوري العقد المكسور ده اتسرق من على التربيزة واتحط في شنطة الست دي في وسط الزحمة عشان التهمة تلبسها.. يعني الحرامي الحقيقي موجود وسطنا في الصالة دي دلوقتي، وحاول يستغل الموقف ويسرق ويرمي التهمة على الشغالة!.
بدأت الهمسات تتعالى في المكان. الستات الأغنياء اللي كانوا من شوية بيبصوا لزينب بقرف، بدأوا يبصوا لبعض بشك وريبة. مين اللي عمل كده؟، معقول حد مننا يطلع حرامي؟. أنا حسيت إن الركبة مش شايلاني. الموقف اتقلب تماماً. لو البوليس بدأ يحقق ويراجع كاميرات المراقبة اللي مالية الفيلّا.. هيبان كل حاجة! هيبان وبنتي بتمد إيدها وتسرق، وهيبان وأنا باخده منها وبحطه في شنطة زينب! الفضيحة مش هتبقى بس سرقة، دي هتبقى سرقة وتزوير وتلفيق تهمة لست غلبانة! ليلى بنتي بدأت تنفصم من البكاء الصامت، مسكت في دراعي وضغطت عليه لدرجة الألم وهي بتهمس بصوت مرعوب ماما.. هنعمل إيه؟ الكاميرات يا ماما.. الكاميرات مغطية الصالة كلها.. إحنا هنروح في داهية!.
نظرات الظابط بدأت تلف على الوجوه.. كان بيقرا التوتر والخوف في عيون الناس. نيرمين كانت منهارة على الكرسي، مش قادرة تستوعب الصدمتين؛ صدمة إن جوزها كان متجوز عليها ومخلف، وصدمة إن فيه حرامي من أصحابها سرقها ولبّس التهمة لضرتها السرية!
قرب الظابط من نيرمين وقالها يا فندم، إحنا محتاجين نراجع كاميرات المراقبة بتاعة الصالة فوراً عشان نعرف مين اللي حط العقد المكسور في شنطة الست زينب. نيرمين رفعت راسها ووشها شاحب، وبصت لزينب بنظرة مكسورة، ممزوجة بين الغل والكسرة، وقالت بصوت ضعيف الكاميرات.. الكاميرات شغالة وبتسجل كل حاجة.. غرفة التحكم في الدور التاني.
الظابط أمر العساكر يقفوا على الأبواب ومحدش يخرج، وطلب من أمن الفيلّا ياخدوه لغرفة الكاميرات. في اللحظة دي، أنا حسيت إن عمري بينتهي. شوفت مستقبلي ومستقبل بنتي بيضيع قدام عيني. ليلى لسه صغيرة، طيشها وحبها للمظاهر كان هيقضي عليها، وأنا.. أنا اللي بغبائي وخوفي على المظاهر الكدابة بقيت شريكة في الجريمة وظلمت ست ملهاش ذنب. بصيت لزينب، الست اللي كنت فاكراها جربوعة وغلبانة، لقيتها واقفة عزة نفس متهزتش، بتلم حاجتها وبتبص لابنها الصغير. حسيت بالذنب بياكل في قلبي زي النار.
أنا مش هقدر أعيش طول عمري ووصمة العار دي ملاحقاني، ومش هقدر أشوف بنتي ورا القضبان بتهمة السرقة والتلفيق. لازم أتصرف، بس التصرف ده كان ثمنه غالي قوي.. ثمنه كبريائي واسمي وسط المجتمع ده. قبل ما الظابط يتحرك خطوة واحدة ناحية السلم، تملكتني شجاعة غريبة، شجاعة منبعها الندم الحقيقي والخوف من ربنا قبل الخوف من الفضيحة. أخدت نفس عميق، وسبت إيد بنتي اللي كانت بتترعش، وطلعت خطوتين لقدام في وسط الصالة.. وقلت بصوت عالي وهيموت من الخوف بس ثابت استنى يا حضرة الظابط.. مفيش داعي تشوف الكاميرات.. أنا اللي حطيت العقد في شنطة زينب!.
الكل لف وشهم ليا.. الصدمة التالتة اللي هزت المكان. ليلى صرخت بصوت مكتوم ماما!، ونيرمين برقت عينيها ومش مصدقة أنتِ يا منال؟! أنتِ تسرقيني؟ ده إحنا أصحاب عمر!. دموعي نزلت غصب عني، وبصيت في الأرض وقلت أنا مأخدتهوش عشان أسرقه يا نيرمين.. أنا لقيته واقع على الأرض، وشيطاني وزّني إني أخبيه.. ولما لقيتك قلبتي الدنيا والبوليس جاي، خفت من الفضيحة وخفت على شكلي قدام الناس، فملقتش قدامي غير شنطة زينب عشان أخلص منه.. أنا آسفة.. أنا غلطت في حقك يا نيرمين، وغلطت أكتر في حقك يا زينب.. أنا ظلمتك وكنت هضيعك وأنتِ مظلومة.
أنا فضلت أقول أنا عشان أحمي بنتي ليلى.. عشان ليلى تفضل بريئة قدام الناس، وتتعلم الدرس ده وم تمدش إيدها على حاجة مش بتاعتها تاني أبداً. ليلى كانت بتبصلي بدموع وندم حقيقي، وعرفت إنها عمق الدرس اللي خدته النهاردة هيغيرها طول حياتها. الظابط قرب مني، وبمنتهى الهدوء حط الكلبشات في إيدي.. نيرمين كانت بتبصلي بنظرة خذلان ملوش مثيل، وزينب بصتلي بنظرة شفقة.. نظرة ست ذاقت الظلم وعارفة يعني إيه حد يتحط في موقف زي ده. وأنا خارجة من الفيلّا، والكلبشات في إيدي، والعيون كلها بتبصلي بقرف واشمئزاز.. كنت حاسة بنوع من الراحة الغريبة.. الراحة لأني منعت ظلم كبير كان هيقع على ست غلبانة، ولأني فديت بنتي من السجن، بس الأهم من ده كله.. إن المظاهر الكدابة والمجتمع المخملي اللي كنت بعبد مظاهره، انهار كله في عيني في لحظة واحدة.. وعرفت إن الستر والصحة وراحة الضمير هما الألماظ الحقيقي اللي مبيتمنش بتمن.