حماتي كانت كل ما تحصل مشكلة بيني وبين جوزي تقول له طلقها وريح دماغك لحد اليوم اللي قالها فيه حاضر
المحتويات
قرر يقول كل حاجة مكبوتة جواه من سنين.
حماتي حاولت تتمالك نفسها وقالت خلاص يا أحمد... حصل خير.
لكن أحمد هز رأسه وقال لسه ماحصلش خير، وأخرج ملف صغير من بين الأوراق. ساعتها لمحت خوف حقيقي في عينيها؛ الخوف اللي بيظهر لما الإنسان يعرف إن الحقيقة خلاص قربت تتكشف.
أخو أحمد الكبير قال في إيه تاني؟
أحمد فتح الملف بهدوء وقال فاكرين من 3 سنين لما قررنا نشتري الشقة؟
أنا افتكرت اليوم ده كويس، كنا بنحوش من أول الجواز، كل جنيه كان ليه حساب، كنت أشتغل ساعات زيادة، وأحمد يشتغل شغل إضافي عشان نحلم بشقة أوسع لبناتنا. وقتها حماتي كانت بتدخل في كل حاجة؛ حتى اختيار المنطقة، حتى لون السيراميك، حتى الأوضة اللي هتكون للأطفال، لكن في الآخر اشترينا الشقة، أو على الأقل ده اللي كنا فاكرينه.
أحمد رفع عقد قديم وقال العقد ده كنت فاكر إني قريته كويس، ثم ضحك بمرارة بس اكتشفت إني كنت غلطان.
العيلة كلها بصت له، وأنا بدأت أقلق. قال الشقة متسجلة باسمي وباسم شخص تاني.
اتصدمنا، وأخوه قال مين؟
أحمد رفع العقد وبص لأمه وقال أمي.
الصمت نزل على المكان، حتى الأطفال اللي كانوا بيلعبوا وقفوا. أنا حسيت بدوخة وقلت إيه؟
أحمد بص لي بحزن وقال والله ما كنت أعرف.
بدأت أفتش في ذاكرتي، وفجأة افتكرت يوم التوقيع؛ حماتي كانت مصممة تروح معانا وقالت وقتها أنا فاهمة في العقود أكتر منكم، لكن ماحدش شك لحظة.
كمل أحمد المحامي اللي عمل الإجراءات كان قريب ماما.
حماتي صرخت وأنا عملت كده عشان أحميك!
أحمد قال تحميني من إيه؟ من مراتي؟ سكتت، فقال ولا كنتِ بتأمني نفسك؟
بدأت ملامحها تتغير، وأول مرة أحس إنها مش لاقية كلام. أنا كنت مصدومة، مش عارفة أزعل، ولا أغضب، ولا أبكي؛ الشقة اللي تعبت فيها وفرشتها ودفعت من شغلي عشان تكمل، كانت متقسمة من ورايا ومن وراه وإحنا مش عارفين.
أخو أحمد الكبير مسك العقد وقعد يقلب فيه، وبعدين قال الكلام ده صحيح.
كل الناس بصت ناحية حماتي، لكنها فجأة قالت أنا أمكم... أنا مش غريبة.
أحمد رد الأم ما بتعملش حاجة زي دي من غير ما تقول، ثم سكت وأضاف بس برضه دي مش أكبر مصيبة.
هنا حسيت إن قلبي هيقف، لأن كل مرة كان بيقول الجملة دي، بيطلع بعدها حاجة أصعب وأصعب وأصعب.
أخته قالت بتوتر يعني في إيه تاني؟
أحمد طلع ظرف أبيض وقال دي رسائل.
حماتي شهقت شهقة صغيرة لكن كلنا سمعناها، وأحمد قال فاكرين لما كانت تحصل مشكلة بيني وبين مراتي؟ الجميع هز رأسه، قال كل مرة كنت أتفاجأ إن ناس من العيلة كلها عارفة تفاصيل المشكلة.
أنا افتكرت فعلًا، كم مرة كنت أتكلم مع أحمد في موضوع خاص جدًا، وبعدها بيوم أو يومين ألاقي حد من العيلة بيلمح للكلام، كنت أقول صدفة، لكن واضح إنها ما كانتش صدفة.
أحمد قال كنت مستغرب لحد ما اكتشفت إن في حد بينقل كل كلمة، وأخرج مطبوعات لمحادثات ثم وضعها على الطاولة.
أخته الصغيرة بدأت تقرأ، وفجأة اتجمد وشها وقالت ماما!
حماتي حاولت تخطف الورق، لكن أخو أحمد الكبير سبقها وقرأ بنفسه، ثم رفع رأسه بصدمة.
أنا قلت في إيه؟ ناولني الورق.
وأول ما قرأت... حسيت إني اتكسرت من جوايا؛ كانت رسائل بينها وبين بعض قرايبها، تحكي فيها كل أسرار بيتنا؛ كل حاجة، الخلافات، الفلوس، مشاكل البنات، حتى أسرار كنت قايلها لأحمد بينا إحنا الاتنين بس. كل حاجة كانت بتخرج، وكل مشكلة صغيرة كانت تكبر وتوصل لعشرة وعشرين شخص، وفي آخر كل رسالة تقريبًا كانت تكتب نفس الجملة البنت دي مش مناسبة لأحمد أو لازم يطلقها أو أنا مستنية اليوم اللي يخلص منها.
وقتها دموعي نزلت، مش بسبب الكراهية، لكن بسبب السنين؛ سنين كنت بحاول أرضيها، سنين كنت أجيب لها هدايا وأزورها وأساعدها وأقول لنفسي أكيد هتحبني يوم، لكن يبدو إنها كانت حاسمة رأيها من البداية.
أحمد قال بصوت هادئ كنت فاكر إن المشكلة بيني وبين مراتي طبيعية، لكن لما رجعت لكل حاجة... لقيت إن كل مشكلة كانت بتكبر بعد تدخل ماما.
محدش عرف يرد، لأن الحقيقة كانت واضحة ومؤلمة.
وفجأة... حصل شيء ما كانش متوقع نهائي؛ أخو أحمد الصغير وقف وقال خلاص، كل الناس بصت له، وقال أنا لازم أقول الحقيقة أنا كمان.
حماتي بصت له برعب حقيقي، وقالت بصوت مهزوز اسكت يا محمود.
لكن محمود هز رأسه وقال لا يا أمي... أنا سكت كتير، وأحمد دفع التمن، النهارده لازم كل حاجة تتقال.
ساعتها عرفنا إن فيه سر أخطر بكتير من الفلوس وأخطر من الشقة، وسر مخفي من أكتر من خمس سنين، ولو اتكشف، مش بس علاقة أحمد بأمه اللي هتتغير، لكن العيلة كلها عمرها ما هترجع زي الأول. حسيت إن الصالة كلها حبست أنفاسها، وحماتي كانت واقفة ساكتة، وشها شاحب وعينيها بتتنقل بين أولادها.
أحمد بص لمحمود باستغراب، واضح إنه هو كمان مش عارف محمود هيقول إيه. محمود أخد نفس طويل وبعدين قال فاكر يا أحمد لما أبوك الله يرحمه كتب وصيته؟
أحمد عقد حاجبيه وقال آه... طبعًا فاكر.
والدهم كان راجل محترم ومعروف بين الناس كلها، ولما توفى ساب شقة قديمة وأرض زراعية صغيرة وبعض المدخرات، ووقتها الكل اتفق إن كل شيء هيتقسم بالعدل، على الأقل ده اللي أحمد كان فاكره.
محمود قال إنت عمرك ما شوفت الوصية الأصلية.
الصالة كلها اتجمدت، وأحمد قال يعني إيه؟
محمود بلع ريقه وقال النسخة اللي شفتها ما كانتش كاملة... أنا كنت موجود يومها وشوفت كل حاجة.
أخو أحمد الكبير وقف فجأة وقال إنت بتقول إيه؟
محمود قال أبويا كان موصي بحاجة معينة، لكن بعد وفاته بأيام... الأمور اتغيرت.
أنا كنت حاسة إن الكلام تقيل جدًا، وأحمد بدأ يفقد هدوءه لأول مرة وقال قول اللي عندك مرة واحدة.
محمود نزل رأسه وقال أبويا كان سايب جزء من الأرض باسم أحمد، عشان كان شايف إنه أكتر واحد شال المسؤولية، الصمت كان مخيف، وأضاف لكن أحمد ما أخدش حقه.
أحمد بص ناحية أمه وقال ببطء الكلام ده صحيح؟
حماتي ما ردتش، وده كان أسوأ من أي إجابة، لأن سكوتها كان اعتراف.
أخو أحمد الكبير قال إحنا عمرنا ما عرفنا الكلام ده.
محمود قال وأنا كمان ما عرفتش غير بالصدفة، وبعدين أخرج صورة قديمة من محفظته وقال لقيتها وسط أوراق أبويا.
أحمد أخدها وقعد يقرأ، كل ثانية كانت أطول من اللي قبلها، وفجأة قعد على الكرسي وكأنه فقد كل قوته. أنا قربت منه وقلت في إيه؟
رفع الورقة ناحيتي، وكان فيها بخط والده كلمات بسيطة لكنها واضحة، بيوصي فيها بتقسيم معين للميراث، تقسيم مختلف تمامًا عن اللي حصل.
أحمد فضل ساكت دقائق كاملة، ثم قال ليه؟ سؤال صغير لكن فيه وجع سنين، بص لأمه وقال مرة تانية ليه؟
حماتي بدأت تبكي، لكن لأول مرة محدش جرى يواسيها، لأن الجميع كان منتظر الإجابة. قالت بصوت ضعيف كنت خايفة.
أحمد قال من إيه؟
ردت من إن إخواتك يزعلوا.
ضحك أحمد ضحكة موجوعة وقال فضيعتي وضياع حقي كان أهون؟ ما ردتش.
وأنا لأول مرة
متابعة القراءة