تورتة الزفاف
وقد كانت مقفلة بقفل كبير. أخرجت من حقيبتها مفتاحاً صغيراً مختلفاً، أدخلته في القفل فانفتح بصوت طقطقة مسموع.
أبي.. همست سارة، كان قال لي إن المفتاح ده مش لأي خزانة، ده مفتاح للحقيقة.
فتحت الأبواب الخشبية ببطء.. لم تكن بداخلها ملابس ولا حلي، بل كانت مليئة بالدفاتر القديمة، والأوراق المطوية، وصور فوتوغرافية بالأبيض والأسود، وعلب معدنية صدئة. بدأت سارة تخرج الأوراق بلهفة، وأنا اقتربت منها وقلبي يخفق بشدة.
شوفي يا مايا.. قالت سارة بصوت متغير، وهي تمسك صورة قديمة جداً.
أخذت الصورة منها، وعندما رأيت ما بداخلها.. شعرتُ بأن الأرض فقدت جاذبيتها وسقطتُ من شدة الصدمة! في الصورة، كان شابان واقفان يبتسمان لبعضهما البعض. أحدهما كان أبي.. بشبابه وقوته. والثاني.. كان وجهه مألوفاً بشكل مرعب! كان نفس الوجه.. نفس الملامح.. نفس الابتسامة الماكرة!
ديفيد؟! شهقتُ بصوت يكاد يُسمع. ده ديفيد؟! بس الصورة قديمة جداً.. ازاي هو لسه شكله زي ما هو؟!
مش ديفيد يا مايا.. قالت سارة والدموع تنهمر من عينيها. ده والده.. أو جده؟! معنى كده إن العلاقة مش جديدة، إنها حكاية بدأت من زمان.. وأبوكِ ووالد ديفيد كانوا..
لم تكمل جملتها، وفجأة سمعنا صوتاً قوياً ومألوفاً يملأ أرجاء المكان، قادماً من ظلام المدخل
كانوا أعداء يا سارة.. أعداء لدودين!
التفتنا بسرعة.. وكان واقفاً هناك! ديفيد!
المواجهة الأخيرة والحقيقة
في عتمة الباب، مضيء بضوء القمر القادم من خلفه، ممسكاً بمصباح يدوي يسلطه مباشرة على وجوهنا، وعلى شفتيه ابتسامة انتصار باردة.
كيف.. كيف وصلت إلينا؟! صرخت سارة ووقفت أمامي كالدرع.
ضحك ديفيد بخبث وهو يدخل للداخل خطوة بخطوة، وحذاؤه يصدر صوتاً على الأرض الحجرية الجبال يا سيدتي.. لا تخفي أحداً. والسيارات الحديثة بها أجهزة تتبع حتى لو ألقيتِ الهاتف.. لم أكن لأترك فريستي تهرب بهذه السهولة.
اقتربت أكثر، ونظر إليّ بعينيه الزرقاوين التي كنت أظنها أجمل ما في الكون، والآن تبدو كأعين ثعبان أحسنتِ فعلًا حين جئتِ إلى هنا يا مايا.. لقد وفرتِ عليّ عناء البحث. الآن.. أعطيني المفتاح، وسأرحل، وربما.. ربما أترككِ تعيشين.
جمد الدم في عروقي وأنا أنظر إليه، وهو يقف هناك بكل ثقة وغرور، وكأن العالم كله ملك يديه.
أي مفتاح تتكلم عنه يا ديفيد؟! صرختُ بأعلى صوتي، ومزيج من الغضب والخوف يملأ كياني. أبي مات، واخد معاه كل أسراره! مش عايز غير تخلي عنا!
اقترب أكثر، وبات على بعد خطوات قليلة فقط. عيناه تلمعان ببريق جنوني أبوكِ لم يأخذ شيئاً يا مايا.. هو فقط أخفى شيئاً كان يجب أن يكون ملكي! قال بصوت جهوري مملوء بالحقد القديم. أترين هذه الصورة؟ نعم، هذا والدي.. وكان شريك أبيكِ في تجارة ثمينة جداً، تجارة التحف والآثار النادرة. لكن أبوكِ خان الثقة، وسرق العين السحرية.. جوهرة ثمينة لا تقدر بثمن، وهرب بها، وأخفاها في مكان لا يعرفه سواه!
جوهرة؟! تساءلتُ بذهول. كل ده عشان حجر؟!
ليس مجرد حجر! صرخ في وجهي. إنها مفتاح الثراء والسلطة! وأنا متأكد 100 إن أبوكِ ما ماتش قبل ما يسيبلكم طريقة الوصول ليها.. أو يمكن الجوهرة نفسها مخبأة هنا، في البيت ده!
التفت سارة إليّ وعيناها تتسعان مايا.. أفتكري كويس! بابا قالك حاجة قبل ما يموت؟ حاجة غريبة؟ وعد؟ سر؟
حاولت تجميع شتات عقلي.. صور من الماضي تمر أمامي بسرعة. تذكرت.. تذكرت قبل وفاة أبي بأيام، كان يمسك يدي ويضع في كفي شيئاً صلباً وبارداً، ويهمس خليها معاكِ يا روحي.. دي أمانة، ومهما حصل، متديهاش لحد غير اللي يستاهلها.. هي اللي هتحميكِ.
كنت أظنها مجرد تعويذة أو قطعة حلي قديمة! مددت يدي ببطء إلى صدري، حيث كنت أخبئ دائماً القلادة الصغيرة التي لم أفارقها منذ ذلك اليوم.. قلادة قديمة على شكل مفتاح!
لمحت نظراته تتجه إلى يدي، واتسعت عيناه بشراهة نعم! هذه هي! المفتاح!
اندفع نحوني بسرعة البرق، لكن سارة كانت أسرع، أمسكت بأول شيء وقع في يدها وهو مزهرية ثقيلة، وألقتها عليه فأصابته في كتفه، مما جعله يتراجع للخلف وهو يصرخ من الألم والغضب.
اركضى يا مايا! اطلعي فوق! صرخت سارة.
ركضنا نحو السلم الخشبي القديم، وهو يلاحقنا وصوت خطواته يهتز له البيت كله.
هتمشوا فين؟! كان يصرخ. البيت ده كله محاصر من رجالي! مش هتخرجوا منه غير لما تموتوا!
وصلنا إلى الغرفة العلوية، الغرفة التي كانت حجرته هو.. غرفة أبي. أغلقنا الباب ووضعنا عليه أي شيء ثقيل ليعيق الدخول، لكننا نعلم أن هذا لن يصمد طويلاً. سمعنا صوت ارتطامات قوية وهو يحطم الباب بكتفيه.
سارة.. الحقيني! كنت أبكي وأرتجف. المفتاح ده معايا.. بس مش عارفة بيفتح إيه!
اقتربت من الدولاب الكبير في الحائط، تذكرت كلام أبي المفتاح مش بيفتح أبواب.. المفتاح بيوضح الطريق.
نظرتُ إلى القلادة.. كان المفتاح منقوشاً عليه رموز غريبة. رفعت رأسي بسرعة نحو المرآة القديمة المعلقة على الحائط.. كانت المرآة مثبتة بمسامير على شكل نفس الرموز! وضعت المفتاح في الفراغ المخصص له.. وفجأة!
طق.. صوت انزلاق معدني غريب.. والمرآة بأكملها تحركت جانباً، لتكشف عن فتحة سرية في الحائط!
لم نصدق أعيننا! كان هناك مكان مخفي بداخل الحائط، وفيه صندوق خشبي صغير محكم الغلق. فتحت الصندوق بسرعة.. لم تكن بداخله جوهرة ولا ذهب! كانت بداخله وثائق.. أوراق رسمية، وصور، وشريط تسجيل، ورسالة بخط يد أبي!
وفي نفس اللحظة.. تحطم الباب ودخل ديفيد، يلهث ووجهه يملأه الغضب والوحشية، وفي يده سكين طويل لمع في الظلام.
أخيراً.. قال وهو يلهث. اعطيني الصندوق ده يا مايا، ومش هيحصلكم حاجة.
انت غلطان يا ديفيد.. قلتُ له وأنا أمسك الأوراق بيدي، وصوتي بدأ يرتد إليّ رغم الخوف. أبوكِ مكنش الشريف.. أبوكِ كان قاتل وحرامي! ودي الأوراق اللي تثبت إن هو اللي قتل ناس أبرياء عشان يسرق الآثار، وأبي اللي خد الجوهرة عشان يثبت الحقيقة ويبلغ الشرطة!
تغير لون وجهه، وبدأ يرتجف كذب! كل ده كذب!
لا مش كذب! تدخلت سارة بصوت حاد. والشريط ده فيه صوت أبوكِ وهو بيعترف بكل جرايمه! انت جيت تتجوز مايا عشان تاخد المفتاح وتدمر الأدلة وتخلي اسم أبوكِ نظيف، وتاخد الجوهرة لنفسك!
كانت الحقيقة أقسى وأكبر منه. انتابته نوبة هيستيرية، ورفع السكين واقترب منا لازم تموتوا الاتنين.. محدش يعرف الحقيقة غيري!
وبينما كان على وشك الانقضاض علينا.. انفتحت نوافذ الغرفة فجأة، وتدفق الضوء الأزرق الساطع للأضواء الكاشفة، وامتلأ المكان بصوت صفارات الإنذار المدوية!
بييييييييييييب.. بوم بوم!
تجمد ديفيد في مكانه، ونظر من النافذة ليرى العشرات من رجال الشرطة والنجدة يحيطون بالبيت من كل جهة!
ازاي؟.. همس بصوت مكسور. ازاي عرفوا مكاننا؟
ابتسمت سارة بصعوبة لما رميتِ الهاتف في الطريق، كنتِ عارفة إنهم هيجوا ورانا.. بس اللي انت متعرفوش إن السيارة دي فيها جهاز إنذار خفي ومتصلة مباشرة بقسم الشرطة، وكنا بنبعت إشارات الاستغاثة من أول الطريق!
سقط السكين من يده.. وسقط معه كل أحلامه وقناعه الزائف. اقتحم رجال الأمن الغرفة، وقبضوا عليه وهو يصرخ ويسب ويلعن حظه العاثر، بينما هو يُجر بعيداً عني، آخر نظرة كانت نظرة حقد لا توصف.
الخاتمة
ساد الصمت مرة أخرى.. لكنه هذه المرة صمت الأمان والراحة. جلسنا أنا وسارة على الدرج، واحتضنا بعضنا
البعض، والدموع تنهمر بغزارة؛ دموع الفرح والصدمة والاطمئنان.
اكتشفنا الحقيقة كاملة؛ ديفيد لم يحبني يوماً، تزوجني فقط ليصل للأدلة التي تفضح والده، وليستعيد الجوهرة التي كانت تساوي الملايين. والكعكة التي كنت سأقطعها.. نعم، كانت بداخلها مادة مخدرة قوية، كان مخططاً أن أتذوقها وأفقد وعيي تماماً، ليأخذوا المفتاح مني وأنا غافلة، ويرموني في مكان مجهول!
أبي.. الله يرحمه، كان يعلم أن هذا اليوم سيأتي، فأعد كل شيء، وترك لنا الحماية والسلاح للدفاع عن أنفسنا.
في الصباح الباكر، كنا ننظر للشمس وهي تشرق على الجبل، وكأنها تمسح عنا سواد الليل الثقيل. خلعتُ ذلك الفستان الأبيض الملعون، وتركته ورائي مع كل الذكريات المؤلمة.
ماتت مايا العروس المسكينة.. وولدت من جديد مايا القوية، اللي عرفت قيمة نفسها، وعرفت إن الحب مش كلمات معسولة، الحب أمان وفعل وتضحية زي ما سارة عملت معايا.
هنعمل إيه دلوقتي؟ سألتني سارة وهي تمسح دموعي.
نظرت للبعيد، وابتسمت ابتسامة حقيقية لأول مرة منذ شهور هنعيش.. هنعيش يا سارة، وبكرة أحلى بإذن الله.
وكانت هذه نهاية قصة حب وهم.. وبداية حياة حقيقية.