بقالهم ست شهور بيقولوا الملياردير فِلس وقصره هيتباع في المزاد
المحتويات
وأن الحقيقة مهما طال إخفاؤها لا بد أن تظهر في النهاية. طلب من أميمة أن تغلق الحجرة مرة أخرى وتعيد الساعة إلى مكانها تماماً كما كانت، وأن لا تخبر أحداً بكلمة واحدة مما حدث، حتى يأتي الوقت المناسب لكشف كل شيء. وعدها أن يرد لها جميلها، وأن يعوضها خيراً عن كل ما فعلته، لكنها ردت عليه ببساطتها المعتادة لا أريد منك شيئاً يا بيه، إلا أن ترجع حقك، وتعرف أن الخير والشړ لا يبقى مخفياً للأبد، والله سبحانه وتعالى لا يضيع أجر من أحسن عملاً.
الجزء الرابع
مرت الأيام التالية وكأنها سنوات، لكن عاصم تعامل مع الموقف بذكاء وصبر نادر، مستفيداً من الخبرة الطويلة التي اكتسبها في حياته العملية. تظاهر بأنه ما زال على حاله، مريضاً ومنهكاً ومستسلماً للأمر الواقع، حتى لا يثير شكوك شريف، الذي كان يأتي يومياً تقريباً ليطلعه على أخبار الإفلاس، ويرتب معه إجراءات بيع القصر والممتلكات، ويتحدث معه بلهجة عطوفة كأنه يحاول تخفيف الحمل عنه. كان شريف يأتي حاملاً الأوراق، ويقول له بابتسامته الصفراء التي لم تصل إلى عينيه أبداً لا تقلق يا عمي، أنا أهتم بكل شيء، وسأرتب لك شقة صغيرة في مكان هادئ، وسأعطيك راتباً شهرياً يكفيك، وستعيش مرتاحاً دون هموم الأعمال والمسؤوليات الكبيرة. هذه أفضل حل في ظل الظروف الحالية. وكان عاصم يهز رأسه موافقاً في الظاهر، ويوقع على الأوراق التي لا تمس الحقائق الأساسية، بينما في الحقيقة كان ينسق مع محامٍ جديد وموثوق، ويستعد لتحريك الملفات التي حصل عليها، ويجمع كل ما يلزم من أدلة ليثبت الچريمة أمام القضاء بلا أي مجال للشك أو التلاعب. وفي إحدى الأمسيات، وبينما كان شريف يجلس في المكتب، يشرح لعاصم تفاصيل المزاد القادم، وكيف سيتم نقل الملكية رسمياً بعد أسبوعين فقط، نظر إليه عاصم بتمعن، ورأى في عينيه نظرة الانتصار التي لم يستطع إخفاءها رغم محاولاته، وسأله فجأة بصوت هادئ قل لي يا شريف.. هل كان الطمع كل هذا السبب؟ أم أن هناك شيئاً آخر دفعك لتفعل كل هذا بي؟ أنا لم أكن قاسياً معك، بل عاملتك كابني، وأعطيتك كل ما تطلبه، وجعلتك شريكاً لي في كثير من الأعمال، فلماذا فعلت هذا؟. تجمد شريف في مكانه للحظة، واتسعت عيناه قليلاً من الدهشة، لكنه سرعان ما استعاد رباطة جأشه، وقال بلهجة مستنكرة ماذا تقول يا عمي؟ أي كلام هذا؟ أنا أفعل كل ما بوسعي لأساعدك، وبدلاً من الشكر تتهمني باټهامات غريبة؟ يبدو أن الضغط أثر على أعصابك أكثر مما كنت أتوقع. ضحك عاصم ضحكة خاڤتة، مليئة بالحكمة والمعرفة، وقال بصوت حازم لا يقبل الجدل لا تقلق يا شريف، أنا ما زلت في كامل قواي العقلية، وسأكون في كامل وعيي في اليوم الذي سترى فيه الحقيقة كما هي، وسنرى كيف سيكون رد فعلك حينها. خرج شريف من المكتب وهو يشعر بقلق غامض، كأن شيئاً ما قد تغير، وبدأ يخطر في باله تساؤلات مزعجة، لكنه حاول أن يطردها، مؤكداً لنفسه أن خطته محكمة، ولا يوجد أي دليل يمكن أن يثبت تورطه، وأن كل شيء تم بطريقة قانونية لا يمكن اختراقها. لكنه لم يكن يعلم أن الخيوط قد بدأت تتجمع، وأن الفخ الذي كان يظنه قد نصبه لعمه، قد انقلب عليه، وأن الدليل الذي ظنه قد اختفى إلى الأبد، كان في مكان لا يخطر له بباله، محفوظاً بعناية وانتظار الوقت المناسب لكي يظهر. في تلك الأثناء، كان عاصم ينسق مع الجهات المختصة، ويقدم لهم المستندات الأولية التي تثبت وجود شبهة تزوير واختلاس، ويطلب منهم التحرك بحذر حتى لا يفلت الجاني، وحتى يتم استعادة كل ما تم سرقته قبل أن يتم نقله أو بيعه مرة أخرى. كان يعلم أن المعركة ستكون صعبة وطويلة، فشريف لم يكن يعمل بمفرده، وله علاقات واسعة ومحامون ماهرون، لكنه كان يثق في الحق، وفي الأدلة القوية التي جمعتها زوجته له، وفي نزاهة القانون الذي سيعيد الحق إلى أصحابه.
الجزء الخامس
جاء اليوم الموعود، وهو اليوم المحدد لبدء إجراءات المزاد العلني لبيع قصر عاصم المنشاوي وممتلكاته، وهو اليوم الذي خطط له شريف ليكون تتويجاً لانتصاره، وتأكيداً لسيطرته الكاملة على كل شيء. تجمع أمام القصر عدد كبير من رجال الأعمال، والمحامين، والمسؤولين، ووسائل الإعلام، وكان الجميع ينتظرون البدء، والكل يتحدثون عن نهاية إمبراطورية المنشاوي، وكيف انتهى حكم رجل كان يُعتبر من أعمدة الاقتصاد في البلاد. دخل شريف القاعة الكبرى في القصر، بملابسه الأنيقة، وابتسامته المعتادة، وتصرف كأنه هو المالك الجديد، وبدأ في استقبال الحضور، ويتحدث معهم بثقة، موضحاً تفاصيل المزاد، وكأنه يفعل كل هذا لخدمة عمه وتنظيم أموره. كان ينتظر أن يأتي عاصم ليمضي على الأوراق النهائية، ويتم نقل الملكية، وينتهي كل شيء، وتبدأ حياته الجديدة التي حلم بها طويلاً. لكن اللحظة التي انتظرها طويلاً جاءت بشكل مختلف تماماً عما توقعه. بدلاً من أن يأتي عاصم مرهقاً ومنهكاً، دخل القاعة برفقة رجال من النيابة العامة، ومحاميه، وعدد من المسؤولين، وملامحه تعود إلى رجولتها وقوتها المعهودة، ويمشي بخطوات واثقة، وعيناه تلمعان ببريق جديد لم يره أحد منذ أشهر. ساد الصمت التام في القاعة، وتوقف الجميع عن الكلام، ونظرت كل العيون إلى عاصم، الذي بدا وكأنه عاد ليستعيد مكانته، بينما تغير لون وجه شريف، واختفت ابتسامته، وبدأ يشعر ببرودة تسري في جسده، ويدرك أن شيئاً كارثياً قد حدث، وأن خطته قد كشفت. وقف عاصم في وسط القاعة، ورفع صوته ليطمئن الحضور، ثم تحدث بوضوح وثقة أيها السادة.. لقد كنتم تسمعون منذ ستة أشهر أنني أفلس، وأن ثروتي ضاعت، وأن هذا القصر وممتلكاتي ستباع في المزاد لسداد ديوني. لكنني أعلن لكم اليوم، أمام الجميع، أن هذا كله غير صحيح، وأن ما حدث لم يكن سوى عملية احتيال وتلاعب مدبرة بدقة، استهدفت سړقة كل ما أملك، وټدمير سمعتي وحياتي. نظر مباشرة إلى شريف، الذي كان يقف في مكانه لا يقوى على الحركة، وقال بصوت يملأه الڠضب والحزم والرجل الذي خطط ونفذ كل هذا، وابتسم في وجهي وهو يدفعني نحو الهاوية، هو هذا الشخص الذي يسمى شريف المنشاوي، ابن أخي الذي وثقت به أكثر من نفسي. صړخ شريف محاولاً إنكار كل شيء، والهروب من الموقف هذا كلام كاذب وافتراء! عمي أصيب بمرض في عقله ولا يعرف ما يقوله، أنا الذي ساعدته ووقفت بجانبه، وكل ما فعلته كان بمعرفته وموافقته!. لكن عاصم لم يعطه الفرصة للاستمرار، وأشار إلى محاميه، الذي تقدم وأمام الحضور جميعاً بدأ في عرض الأدلة، والوثائق، والتسجيلات، والشهادات، واحدة تلو الأخرى، وشرح كيف تم تحويل الأموال، وتزوير التوقيعات، وتغيير بيانات العقود، وكيف أن كل ما ظهر كأزمة مالية لم يكن سوى خدعة محكمة. كل دليل يُعرض كان يهز أركان شريف، ويدمر دفاعاته، ويثبت للجميع حقيقة ما حدث. عندما تم عرض رسالة ماجدة، والوثائق التي خبأتها،
متابعة القراءة