لما تفتكري إنك اشتريتي راحة بالك وحافظتي على كرامة جوزك وبيته
الجزء الأول: الصدمة والانكسار
لما تفتكري إنك اشتريتي راحة بالك وحافظتي على كرامة جوزك وبيته، وتتفاجئي إن القلم بيجيلك منه هو وقدام أمه عشان يرضيها، اعرفي إن المعدن الرخيص عمره ما هينضف، بس الصدمة الحقيقية لما يعرفوا إن العز اللي عايشين فيه والقرشين اللي بيتنططوا بيهم هما أصلاً من شقاكي، والفيلا اللي طردوكِ منها مكتوبة باسمك أنتِ!
القلم نزل على وشي جامد لدرجة إن فص دبلتي جرح كف إيدي من جوة وسال منه الدم، ولمدة تلات ثواني، الصالة الكبيرة الرخام بتاعة الفيلا كلها سكتت وصوت الهمس انقطع، وفجأة حماتي ابتسمت بسمة شمتانة كلها لؤم.
وزعق جوزي طارق في وشي وعينيه قايدة نار: "اطلعي برة! مش عايز أشوف وشك هنا!"، ووشه كان مقلوب ومتحول بشكل مكنتش بشوفه غير وهو بيتكبر على الشغالين والناس الغلابة، وكمل بزعيق: "أنتِ صوتك ما يعلاش على أمي في بيتها ومملكتها!".
بيتها ومملكتها.
بصيت من وراه على النجفة الكريستال الكبيرة، والسلالم الرخام الواسعة، والبورسلين المستورد اللي أنا منقياه ومختاره تفاصيله بنفسي، وعلى صورة العيلة الكبيرة اللي متعلقة فوق الدفاية؛ طارق وأمه ميرفت هانم، وأنا واقفة وراهم يدوب زي الظل الغالي اللي ملوش لازمة.
حماتي ميرفت طلعت منديل حرير وبدأت تطبطب على عينيها الناشفة اللي مفيهاش دمعة وتمثل العياط: "أنا ميرضنيش كدة يا طارق، أنا يدوب كنت بقولها لازم تحمد ربنا وتفتكر أصلها، في ستات بتتجوز في العز وتنسى مقامها وقيمتها في ثانية".
رديت عليها بصوت هادي ومكتوم: "مقامي وقيمتي؟".
طارق قرب مني ووعيد في كلامه: "ما تفتحيش بوقك بكلمة تانية".
بس أنا كنت خلاص فتحت وبدأت، بعد تلات سنين كاملة وأنا ببلع الإهانة والتلقيح في العزومات واللمة بتاعة يوم الجمعة، والابتسامات الصفراء الكدابة في وسط قرايبهم، وتلميحات حماتي اللي ما بتخلصش إني "محظوظة ومكتوب لي عمر جديد عشان طارق رضي بيا واتجوزني"، في حاجة جوايا انكسرت واتفرتكت حتت.
العصر ده، حماتي ميرفت وقفت قدام ستة من قرايبهم وقالت بملء بوقها إني ست عقيم ومبجيبش عيال، وماليش أي عازة وعايشة على قفا ابنها وخيره وشقاه. القرايب كلهم حطوا عينيهم في الأرض وبصوا في كبايات الشاي ومحدش نطق، وطارق واقف ومفتحش بوقه ولا دافع عني.
عشان كدة أنا ضحكت؛ ما كانتش ضحكة عالية ولا بنبرة حزينة، دي كانت ضحكة واحدة، حادة ومكتومة وبمرارة الدنيا كلها. وهنا حماتي ميرفت قامت وقفت وهي بترتعش وبتمثل الصدمة: "شايف؟ بتقل أدبها عليا وبتستهزأ بيا في بيتي ومطرحي!".
وجالي طارق جري.. ودلوقتي، معلم صوابعه لسه قايد نار على خدي.
حماتي ميرفت كملت وهي بتبص لي بقرف: "لمي الهدوم الرخيصة اللي جيتي بيها، وسيبي الدهب والمشغولات كلها، وسيبي مفتاح العربية، مش هتمشي بحاجة من خير ابني وفلوسه".
بقيت باصة لها ومذهولة! الخمسين ألف جنيه اللي كانت بتاخدهم كل أول شهر مصروف لإيدها عشان تروح بيهم البيوتي سنتر، وتشتري شنط براند، وتدفعهم للسواق الخصوصي، عمرهم ما كانوا من فلوس طارق، التحويلات البنكية كانت بتطلع من حساب شركته ومكتبه آه، بس الحساب ده كان بيتغذى من فلوسي أنا وبشيكات مني أنا. وحتى الفيلا اللي بتقول عليها بيتها ومملكتها، عمرها ما كانت ملك طارق ولا مكتوبة باسمه، دي كانت شارياها شركة عقارية قابضة.. الشركة دي بتاعتي أنا لوحدي!
طارق قرب مني وبص لي بغل: "أنتِ لسه واقفة تتفرجي على إيه؟ غوري من هنا!".
خدت شنطتي من على الترابيزة الصغيرة اللي جنب الباب، وإيدي كانت ثابتة ومفيش فيها أي رعشة خوف، وقلت له: "واقفة عشان عاوزه أحفر اللحظة دي في دماغي كويس جداً ومستحيل أنساها".
حماتي لوحت بإيدها واستهزأت بكلامي: "ليه إن شاء الله؟ هتكتبيها في مذكراتك وتعيطي؟".
بصيت لطارق ووشه المحقن والمقلوب من الغضب والغل، وقلت بصوت هادي وراسي مرفوعة: "لأ.. هحتاجها قدام المحكمة وقاضي الأسرة".
ولفيت ضهري وخرجت برة البوابة قبل ما حد فيهم يستوعب الكارثة والمصيبة اللي هتحل على دماغهم من اللحظة دي. أول ما قفلت البوابة الحديد ورايا، حسيت إن حمل تلات سنين كاملين نزل من فوق كتافي. ما بصتش ورايا، ولا سمعت طارق وهو بينادي بغضب، ولا حماتي ميرفت وهي بتزعق وتهدد. ركبت عربيتي ومشيت، لكن اللي هما ما كانوش يعرفوه، إن المعركة الحقيقية لسه ما بدأتش.