زوجي كان يمزح باسم صديقتي منذ 17 سنة… حتى سألتني ابنتي إن كنت أمًا سيئة
إنتِ قلتي إيه؟!
تحرك أحمد أخيرًا من مكانه، وهنا فهم محمود أن الليلة خرجت تمامًا عن سيطرته. لم يتنفس أحد؛ لا سارة، ولا أحمد، ولا ليان التي كانت تضغط بيدها الصغيرة على الإسورة التي صنعتها لأبيها في المدرسة، وكأنها فهمت في تلك اللحظة أن شيئًا كبيرًا على وشك أن يحدث.
بقيتُ واقفة، والكوب في يدي، أشعر بسلام غريب. لم يكن فرحًا ولا انتصارًا، كان شيئًا أفضل إحساس امرأة توقفت أخيرًا عن الارتجاف من الداخل.
نهض محمود بسرعة حتى صرّ الكرسي فوق الأرض صراخاً
كرريها!
قالها ووجهه أحمر، وصوته محمّل بذلك الغضب الذي لا يخرج من الألم، بل من كرامة مجروحة.
نظرتُ إليه؛ قبل سنوات، كنت سأنكمش، كنت سأعتذر وأقول إن المزحة خرجت مني بشكل خاطئ، وإنني لم أقصد إفساد عيد ميلاده، وإنني حساسة قليلًا، وإن الأفضل أن نهدأ. لكن ليس الآن. لأن مشكلة التحمّل الطويل أن المرأة تكتشف يومًا أنها لم تكن تحافظ على السلام، بل كانت تموّل قسوة غيرها بصمتها.
قلتُ بهدوء، دون صراخ
قلت إن أحمد لو طلب مني أرحل معه فلن أتردد ولو لثانية.
خرج من والدته صوت خافت يا ساتر يا رب، وتنحنح أحد أقاربه بارتباك. استمرت الأغاني من السماعات لثوانٍ سخيفة، حتى أسرع أحدهم وخفّض الصوت، وعندها صار الصمت أثقل.
أشار محمود نحوي بالكوب
إنتِ قليلة الأدب.
تدخل أحمد محمود، اهدأ شوية. الموضوع مش...
صرخ فيه محمود إنت تسكت خالص. ما تدخلش في جوازي!
لكنني قاطعته
لا يا محمود. هو لم يدخل في جوازنا. أنت الذي أدخلت سارة بيننا سبعة عشر عامًا أمام الجميع؛ في كل عزومة، وكل عيد ميلاد، وكل كلمة، وكل إهانة تغلفها بكلمة بهزر. أنا فقط أريك شكل المزحة عندما تعود إليك.
اقتربت سارة خطوة اسمعي...
لم أبعد عيني عن محمود لا. دعيني أكمل.
كانت ليان تراقبني بعينين واسعتين، كأنها ترى نسخة أخرى مني لم تعرفها من قبل، وربما كان هذا بالضبط ما يحدث.
ضحك محمود ضحكة جافة ومسمومة
آه فهمت. كل ده علشان البنت عيطت شوية وإنتِ عايزة تعملي نفسك ضحية السنة.
تلك الجملة أشعلت داخلي شيئًا أعمق من الغضب. كان يستطيع أن يهينني كما يريد، فقد فعلها سنوات طويلة، لكن أن يحوّل ألم ابنتنا إلى عيطت شوية، فهذا ما نزع آخر خوف بقي داخلي.
خطوتُ نحوه خطوة
لا تتكلم عن ليان بهذه الطريقة مرة أخرى.
يا سلام. بقيتِ أم مثالية دلوقتي؟
قلت لا. لكنني على الأقل لا أستخدم ابنتي جمهورًا لإهانة أمها.
خفضت ليان عينيها، ورأيت سارة تقترب منها بهدوء وتمسك يدها. ذلك التصرف الصغير سندني أكثر من أي كلام.
ضرب محمود الطاولة مرة أخرى
يعني إيه؟ عايزة تغيظيني بأحمد؟ دي هي خطتك؟ ده انتقامك الكبير؟
تكلم أحمد أخيرًا، بصوت جاد لم أسمعه منه من قبل
لا تستخدم اسمي لتغطي على اللي بتعمله من سنين يا محمود.
التفت إليه محمود بغضب وذهول وإنت جاي تعلّمني؟
لم يتحرك أحمد لا. بقول لك كفاية.
مواجهة الحقيقة
كانت عائلة محمود طوال سنوات جمهورًا ثابتًا لمزاحه، كنت أعرف ذلك من البداية؛ الضحكات المتوترة، الصمت، والنظرات التي تهبط إلى الأطباق، لكن أحدًا لم يوقفه. لأن مواجهة رجل يختبئ خلف المزاح تحتاج شجاعة لا يريد أغلب الناس إنفاقها في عزومة عائلية.
لذلك فاجأني صوت والدته، مرتجفًا لكنه واضح
فعلًا كفاية يا محمود.
التفتنا جميعًا إليها. كانت جالسة وظهرها مستقيم، ويداها مشدودتان فوق حقيبتها. بدت أكبر سنًا مما كانت عليه عند دخولها، كأن ثقل سنوات الصمت وقع فوقها فجأة.
قالت أنت دائمًا تفعل نفس الشيء. تجرح، وتؤذي، ثم تقول إنها مزحة. تعبتنا.
رمش محمود بعينيه كأنه فقد توازنه حتى إنتِ يا أمي؟
قالت ليس حتى أنا. منذ زمن. لكن اليوم ابنتك تنظر.
أصابتْه الجملة، ليس لأن الخجل هزمه؛ فمحمود كان يملك قدرة غريبة على النجاة من الخجل إذا جاء من امرأة، لكن ما آلمه أنه اكتشف أن أمه نفسها، التي كانت تبرر له دائمًا، توقفت عن حمايته.
عاد ينظر إليّ أنتِ خططتِ لكل ده.
قلت لا. الذي خططت له هو أن أتوقف عن الابتسام عندما تقلل مني.
ومع صديقي؟
لا. أمام صديقك. هناك فرق.
تغيّر وجه محمود، لم يعد غضبًا فقط، كان هناك شيء أقبح غيرة حقيقية. ذلك النوع من الغيرة الذي يظن بعض الرجال أنهم يملكون حق الشعور به، حتى لو قضوا نصف عمرهم يلقون اسم امرأة أخرى فوق السفرة كأنه زينة.
قال بحدة يعني أحمد عاجبك فعلًا.
تقدم أحمد خطوة انتبه لكلامك.
لكنني كنت من رد هذا كل ما فهمته؟ ليس ليان، ليس السبعة عشر عامًا، ليس الإهانة. فقط أنك ولأول مرة شعرت أنك صغير.
فتح محمود فمه ليرد، لكن سارة سبقتْه. وعندما تكلمت، عرف الجميع أن الليلة لم يعد لها طريق رجوع
وأنا أيضًا تعبت منك.
التفت محمود إليها بسرعة. كانت سارة تنظر إليه بتعب قديم، لم تعد الصديقة المحرجة التي تبتسم بأدب وتبتعد حتى لا تزيد الأمر سوءًا، كانت امرأة تعبت من أن تُستخدم كسلاح ضد امرأة أخرى.
قالت
طوال سنوات وأنا أطلب منك أن تتوقف. قلتها لك وحدك، وقلتها أمام الناس، وقلت لك بلطف حتى لا أجرحها، رغم أن الذي كان يجرحها هو أنت. وأنت لم تسمعني مرة. كنت تظن أنني طالما لا أعمل مشكلة، فأنت مسموح لك أن تكمل.
رفعت ليان عينيها إليها بانتباه. ضحك محمود بعدم تصديق يا سارة، إنتِ كمان؟ هو ده كان هزار.
اقتربت منه سارة خطوة لا. كان جبنًا.
تراجع محمود أكثر مما كان سيتراجع أمام أي صراخ. أكملت سارة
كنت تستخدم اسمي لأن ذلك يجعلك خفيف الظل أمام الناس، لأن إهانة زوجتك كانت تمنحك شعورًا بالقوة، ولأنك أضعف من أن تقول كلمة جميلة دون أن تحولها إلى إهانة.
لم أتحرك، ليس لأن كلامها لم يهزني، بل لأنني كنت أحتاج أن أبقى ثابتة، وأن أترك اللحظة تتنفس وحدها. طوال سنوات، كانت حياتي تدور حول تجنّب غضب محمود، والآن، أخيرًا، لم يعد غضبه مركز كل شيء.
نظر حوله يبحث عن مؤيد فلم يجد أحدًا. أقاربه تظاهروا بالانشغال بالأكواب، أمه كانت تنظر إليه بخيبة، سارة تقف أمامه بلا خوف، أحمد يضغط فكه بصمت، وليان كانت تنظر إليّ أنا... إليّ وحدي.
انكسار المرايا
ثم حدث ما أتذكره حتى اليوم كأنه اللحظة التي انتهى فيها زواجي فعلًا. تركت ابنتي يد سارة، ومشت ببطء حتى وقفت على بعد خطوات من أبيها، وبذلك الصوت الرقيق الذي يملكه الأطفال عندما لا يعرفون كيف يخفون ألمهم، سألته
هو أنت فعلًا كنت هتحب لو طنط سارة تبقى ماما؟
لم يصدر أي صوت. نظر إليها محمود كأن العالم تغيّر فجأة لا يا حبيبتي، أنا...
قالت أنت بتقول كده دايمًا.
ابتلع ريقه كان هزار.
هزّت رأسها أنا مش بضحك.
شعرتُ بعقدة شديدة في حلقي، حتى وضعت الكوب فوق الطاولة كي لا يسقط من يدي. لأن هذا هو الحساب الحقيقي لكل تلك السنوات؛ ليس دموعي التي أخفيتها في الحمام، ولا أعياد ميلادي التي فسدت، ولا العزومات التي ابتلعت فيها الإهانة مع الطعام... بل ابنتي. طفلة عمرها سبع سنوات تتعلم أن الرجل الذي يجب