رجع من الغربة

لمحة نيوز

رجع من الغربة بعد سبعة عشر عامًا بجلابية باهتة وحقيبة قديمة، فرفض أخوه أن ينام ليلة واحدة في بيت أمه، ولم يعرفوا أن في جيبه أوراقًا ستكشف سرًا يهدّ البيت فوق رؤوسهم.
في السودان قرب أم درمان، كان عبد الرحمن الطيب رجلًا أكلت الغربة عمره، خرج شابًا نحيفًا بعد رحيل أبيه بأشهر، وهو يحمل وصية واحدة في قلبه لا تترك أمك وحدها. سافر إلى الخليج وعمل في البناء والحراسة والمخازن، نام في غرف ضيقة مع غرباء، وتحمل الحر والإهانة ووحشة الليل، فقط حتى لا تحتاج أمه شيئًا.
كل شهر كان يرسل المال لأخيه الأكبر مصعب، مالًا لعلاج أمه، وترميم البيت، وتعليم أبناء أخيه، وشراء الأرض الزراعية التي حلم بها أبوه قبل رحيله. كان مصعب يرد عليه دائمًا لا تقلق يا عبد الرحمن، أمك بخير، والبيت قائم بدعواتك. وكان عبد الرحمن يصدقه، لأن الغريب إذا صدّق أهله شعر أن غربته لها معنى.
لكن السنوات الأخيرة بدأت تكشف شيئًا بطيئًا ومخيفًا، صوت أمه صار نادرًا، وكلما طلب أن يكلمها قال له مصعب نائمة، تعبانة، عند الجارات، لا تسمع جيدًا. حتى الرسائل الصوتية التي كانت تصل منها صارت قصيرة وباردة، وكأن أحدًا يقف بجانبها ويملي عليها ما تقول.
قبل ستة أشهر، توقف عبد الرحمن عن إرسال المال، ليس لأنه أفلس، بل لأنه أراد أن يعرف هل يشتاقون إليه هو، أم للحوالة التي تصل آخر الشهر؟ عاد دون أن يخبر أحدًا، بملابس بسيطة وحقيبة قديمة، وأخفى هاتفه وساعته حتى يرى الحقيقة بعينيه لا بعين الرجل الذي يظنون أنه خزنة بعيدة.
نزل من الحافلة عند الغروب، وصوت الأذان يرتفع من المسجد القديم، وسار في الحارة الترابية التي حفظها طفلًا، لكنه وجد البيت قد تغيّر. الجدران صارت أعلى، والبوابة الحديدية جديدة، وداخل الحوش سيارة حديثة ومجلس فاخر ومكيفات لم تكن موجودة يوم غادر.
طرق الباب بهدوء، ففتحت له زوجة أخيه هنادي، نظرت إلى وجهه المتعب وحقيبته وملابسه، ثم اختفت ابتسامتها وقالت نعم؟ من تريد؟
قال بثبات موجوع أنا عبد الرحمن.
خرج مصعب من الداخل بجلباب أبيض ناصع وساعة ذهبية، تأمله من رأسه لقدميه وقال ببرود رجعت فجأة كده؟
ابتسم عبد الرحمن ابتسامة متعبة وقال اشتقت لأمي، وجيت أشوفها.
تدخلت هنادي بسرعة وقالت أمك تعبانة، والطبيب مانع عنها الانفعال.
لكن الأم ظهرت في آخر الممر بثوب بسيط ويدين ترتجفان، وهمست بصوت كسر قلبه عبدو؟
تحرك نحوها فورًا، لكن مصعب وقف بينهما وقال يا أمي، لا تتعبي نفسك.
رأى عبد الرحمن في عين أمه شيئًا لم يفهمه، دموعًا وخوفًا وكلامًا محبوسًا خلف صمت طويل.
جلس دقائق في المجلس كضيف ثقيل، لا أحد سأله كيف عاش، ولا من داواه في الغربة، ولا كم ليلة نام جائعًا حتى يرسل لهم المال. طلب أن ينام ليلة واحدة فقط بعد السفر الطويل، فقالت هنادي بأدب بارد البيت مزدحم، والأولاد ينامون في المجلس، غدًا نرتب لك مكانًا. خفض مصعب عينه وأضاف أنت تعرف الظروف.
نهض عبد الرحمن بهدوء، حمل حقيبته وقال لا بأس، جئت فقط لأطمئن عليكم. خرج من الباب، وسمع هنادي تهمس بعد إغلاق البوابة الحمد لله أنه لم يفتعل مشاكل. لم يلتفت، لكنه شعر أن الغربة الحقيقية لم تكن في الخليج، بل كانت داخل البيت الذي أرسل عمره كله ليبقى واقفًا.
تلك الليلة نام قرب المسجد القديم، أو بالأصح لم ينم، ظل يمسك بثلاثة أوراق في جيبه عقد ملكية البيت والأرض باسم أمه، وتوكيل قديم تركه أبوه، وكشف حوالات سبعة عشر عامًا. ومع الفجر ذهب إلى السجل العقاري، وهناك اكتشف أن مصعب بدأ فعلًا إجراءات نقل الأرض باسمه قبل أسابيع، مستغلًا مرض أمه وضعفها. فهم عندها لماذا كانوا يمنعونه من الحديث معها، ولماذا خافوا من رجوعه، ولماذا أغلقوا الباب في وجهه قبل أن يعرف ما حدث.
ذهب إلى محامٍ، ثم عاد إلى البيت مرة ثانية، لكنه لم يأتِ وحده هذه المرة، جاء معه محامٍ واثنان من الشرطة ورجل من الإدارة المحلية. فتح مصعب الباب بعصبية وقال ما هذا؟ ماذا تفعل؟
أخرج عبد الرحمن الظرف من جيبه، فتحول وجه هنادي إلى الشحوب عندما رأت الأختام الرسمية.
قال المحامي بهدوء هناك بلاغ متعلق بمحاولة الاستيلاء على ممتلكات السيدة والدة عبد الرحمن، والتصرف في الأرض والبيت دون موافقتها الكاملة.
حاول مصعب أن يضحك وقال أخي رجع من السفر ويريد أن يعمل مشكلة.
لكن الأم خرجت من آخر الممر وهي تبكي، ثم قالت بصوت رجف له الجميع يا بني أخوك لم يسرق البيت فقط.
تجمد عبد الرحمن وسألها ماذا فعل أيضًا يا أمي؟
وضعت يدها على صدرها وقالت وهي تنظر إلى مصعب كان يأخذ المال الذي ترسله باسم علاجي، ويقول لي إنك نسيتنا، وإنك توقفت عن السؤال عنا من سنوات. صمت البيت كله، ثم أخرجت الأم من تحت ثوبها ورقة صغيرة مخبأة منذ شهور، وقالت وهذه رسالة أبيك الأخيرة التي أخفاها أخوك، فيها اسم الشخص الحقيقي الذي كان يجب أن يدير الأرض بعد رحيله. ثم انفجرت بالبكاء وهي تضغط على صدرها المرتجف بل كان يخفي عني رسائلك ويُخبرني أنك نسيتنا، ويخفي عنك رسائلي كلما كتبت إليك طوال تلك السنوات.
في تلك اللحظة، شعر عبد الرحمن وكأن السنوات السبع عشرة

تم نسخ الرابط