جوزي اللي مبيعرفش يسلق بيضة، صمم النهاردة يحضرلي القهوة بإيده
المحتويات
السفرة خبطة قوية خلت الأطباق تترج، وبعدين نزل على الأرض. الصوت لسه بيرن في ودني. اتجمدت مكاني، مش قادرة أستوعب اللي شيفاه. الراجل اللي عشت معاه 15 سنة بيطلع في الروح قدامي.
صرخت وأنا بلف حوالين الترابيزة كمال!
كان بيلطش في الهوا بيدور على نفس. عينيه كانت مفتوحة على آخرها وفيها رعب عمري ما شفته. القهوة المسلوقة كانت سايحة على الأرض مع حتت الفنجان المكسور. ريحة غريبة طلعت.. ريحة نفاذة، ريحة كيماوية مُرة. بطني قلبت.
كنت بحاول أسند راسه اتنفس يا كمال! اتنفس!
بس هو مكنش سامعني. كان بيطلع صوت حشرجة من زوره. فكرت أطلب الإسعاف، إيدي راحت للموبايل.. بس لما بصيت في وشه تاني.. حاجة وقفتني. اللي في وشه مكنش وجع بس.. كان رعب. رعب حد عارف بالظبط إيه اللي بيحصل له.
همست بذهول حطيت إيه في القهوة يا كمال؟
بصلي.. شفايفه كانت بتترعش.. حاول ينطق.. بس اللي طلع كان صوت مكسور أنا.. أنا..
جسمه اتنفض تاني بعنف. قلبي كان بيدق لدرجة الوجع. كنت عايزة أصدق إنه حادثة، إن البن بايظ، إن أي حاجة تانية حصلت. بس من جوايا كنت عارفة. القهوة دي مكنتش بايظة.. دي كانت متجهزة. متجهزة بقصد.
سألت وصوتي بيقطع كانت ليا؟
كمال غمض عينيه. مردش. ومكنش محتاج يرد.. السكوت كان كفاية. الدنيا لفت بيا. 15 سنة جواز.. 15 سنة بنام جنبه في سرير واحد.. ودلوقتي هو بيموت مكان الشخص اللي كان عايز يقتله.
فوقت لنفسي وطلبت الإسعاف الحقونا.. جوزي بيموت.. تشنجات.. باين عليه مسموم.
وأنا بتكلم كنت براقبه. تشنجاته بدأت تهدى.. بس ده مطمنيش. وشة بقى لونه رمادي مخيف. الموظف قالي الإسعاف في الطريق.. خليكي جنبه.
قفلت السكة. المطبخ رجع فيه السكوت تاني. سجدت جنبه على الأرض.
ناديت بصوت واطي كمال..
فتح عينه بالعافية. بصلي.. المرة دي مكنش فيه خوف.. كان فيه حاجة أوحش. كان فيه ذنب.
سألت ليه؟ كلمة واحدة شايلة كل القهر اللي في قلبي.
حاول يتكلم تاني.. نفسه بقى عامل زي صوت كحت حديد في إزاز ليلى.. الشركة..
مسكت إيده.. إيده كانت تلج أنا هنا.. رد عليا.
قال مكنش.. مكنش قصدي كده..
سألته بمرارة أومال كان قصدك إيه؟
عينيه راحت ناحية القهوة.. ناحية برطمان صغير غامق مكنتش واخدة بالي منه. كان محطوط جنب السكر. برطمان صغير من غير تيكيت. إيه ده؟ حاول يرفع إيده بس مقدرش.. إيده وقعت على الأرض تاني.
همس بالكلمة دي بالعافية هما..
سألت مين دول؟
مردش.
في اللحظة دي سمعت صوت السرينة بتاعة الإسعاف بتقرب. كمال سمعها هو كمان.. وعينيه اتملت يأس.
تمتم لا..
قلت الإسعاف جت.. هيلحقوك.
هز راسه بضعف لا.. لازم.. لازم تعرفي.. صوته كان بيغيب.
قربت ودني من بقه أعرف إيه يا كمال؟ مين اللي عمل فيك كده؟
سكت.. صدره كان بيطلع وينزل ببطء شديد. وبآخر طاقة عنده، شفايفه اتحركت لآخر مرة. نطق اسم واحد. كلمة واحدة داليا.
حسيت كأن فيه باب من التلج اتفتح في صدري. داليا. طبعاً عارفاها. زميلته الجديدة في الشغل. اللي كان بيتكلم عنها كتير الفترة اللي فاتت. اللي بدأ اسمها يتكرر في كل حكاية.
سألت والرعب بدأ يتقلب لغضب داليا ليها علاقة بإيه؟
حاول يرد.. بس مكنش فيه حيل. عينيه بدأت تغيم وتفقد التركيز. هزيت كتفه كمال! كمال! مفيش رد.
المسعفين كسروا الباب ودخلوا المطبخ. واحد فيهم قالي وهو بينزل جنبه وسعي يا مدام!
بعدت وأنا مذهولة. شفتهم وهم بيحطوا له أكسجين.. حقن.. أوامر سريعة النبض ضعيف.. جهزوا النقالة بسرعة!
مقدرتش أتحرك. عيني كانت على الأرض.. بقعة القهوة لسه بتفرش بين البلاط. القهوة اللي كنت هشربها. القهوة اللي كانت هتنهي حياتي. والإسعاف بتشيله، حقيقة واحدة مرة استقرت في عقلي كمال مكنش شغال لوحده. كان فيه حد تاني.. اسمها داليا. ولو هي شريكة.. يبقى اللي حصل الصبح ده مجرد بداية لحاجة سودة أوي.
نصيحة عم رفعت
صوت السرينة بدأ يبعد، والبيت اللي كان دوشة من شوية بقى فاضي وبارد. قعدت على الكرسي ورجلي مش شايلاني. عقلي بيحاول يربط الخيوط ببعضها. 15 سنة.. افتكرت أول شقة لينا في الجيزة، كانت ضيقة وحر ومفيش فيها غير مروحة بتعمل دوشة ومبتجيبش هوا، وكنا بنضحك ومبسوطين. كمال مكنش راجل شرير.. أو ده اللي كنت فاكراه.
قمت وقفت.. عيني جت على البرطمان الصغير اللي جنب السكر. قربت منه بحذر. برطمان قزاز رخيص، من النوع اللي بيتباع في أي حتة. جواه كان فيه بقايا بودرة غامقة لازقة في القعر. مش محتاجة أكون خبيرة عشان أفهم إن ده مش بن.
سمعت خبط على السور اللي بينا وبين الجيران. يا ليلى؟
كان صوت عم رفعت، جارنا. راجل في الستين، وكان لواء شرطة سابق ومتقاعد، الكل في المنطقة بيعمله ألف حساب. فتحت الباب ولقيته ساند على السور، وعلامات القلق على وشه.
قال بلهجة جد سمعت الإسعاف.. خير؟ كمال ماله؟
بلعت ريقي.. ومكنتش عارفة ليه، بس حسيت إني لازم أقوله الحقيقة كمال مسموم يا عم رفعت.
عينيه ضيقت مسموم؟ إزاي؟
قلت القهوة كان فيها حاجة.
عم رفعت سكت شوية وهو بيبصلي بتركيز فين القهوة دي؟
دخل المطبخ، بص على الأرض، وعلى الفنجان المكسور، وبعدين مسك البرطمان بحذر. فتحة وشم ريحته.. وشه اتغير فوراً ده مش بن يا بنتي.
قلت عارفة.
قال ده سِم.. وسِم تقيل كمان. الكلمة نزلت عليا زي الصاعقة. ثم سألني أنتي متأكدة إنه هو اللي حضرها؟
قلت
متابعة القراءة