أبويا ربّاني لوحده بعد ما أمي رمتني وأنا عندي 3 شهور في باسكت العجلة بتاعته

لمحة نيوز

أمك من جديد، ولا عشان أطالبك بحق ولا أي حاجة، ولا عشان أشارك في نجاحك اللي تعبت فيه أنت وأبوك. جيت بس عشان أقول لك إنك لسه في قلبي من أول يوم، وإن قراري ده كان نابع من ضعف وخوف، لكن ما كانش نابع من كره ولا عدم رغبة فيك. وجيت كمان عشان أطلب منكم السماح، لو تقدرين تسمحوا لي، وإن ما سمحتوش فده حقكم الكامل، وما عنديش أي كلام أزيده.
سكتت، وساد الصمت لدقائق طويلة، وكل واحد فينا كان بيفكر في كلامها. كنت أحس بمشاعر متضاربة جدًا؛ من ناحية، كان في قلبي غضب عميق إنها تركتني وتخليت عني، وإنها حرمتني من حنان الأم طوال السنين، وإنها خلت أبويا يتحمل عبء ما كان يستحقه في سنه الصغير. ومن ناحية تانية، كنت أحس ببعض الرحمة، لما سمعت ظروفها، وعرفت إنها كانت في موقف صعب جدًا، وإنها كانت خايفة ومحاصرة، وإنها عانت هي كمان بقدر معين.
أبويا تنهد تنهيدة طويلة، وشد إيدي أكتر، وقال لها بهدوء وصراحة اسمعي كلامي كويس. الوقت اللي فات ما يمكن يرجع، والقرار اللي أخذتيه وقتها أثر في حياتنا كلنا، وخلانا نمشي في طريق مختلف تمامًا. أنا ما أقدر أقول لك إني سامحتك دلوقتي من أول مرة، لأن الجرح ده كبير، وتعب السنين دي مش سهل يتنسى في دقائق. بس أقدر أقول لك إنني أفهم إنك كنتي في موقف صعب، وإن الخوف والظروف كانت أقوى منك وقتها. لكن الحقيقة اللي لا يمكن تتغير ولا تناقش، إن دي البنت ربتها يدي، وسهرت عليها ليالي، وفقدت عشانها كتير، وعطيتها كل الحنان اللي محتاجاه، وخلقت لها حياة آمنة ومستقرة. بالنسبة لها، أنا الأب والأم، وسندها الوحيد، وده مش كلام ولا مجرد وصف، ده حقيقة عاشتها وشعرتها بكل جوارحها.
ثم التفت أبويا ناحيتي، وبصلي بنظرة مليانة حب وثقة، وقال لي بصوت هادي بس مسموع القرار دلوقتي قرارك أنت يا روحي. هي قالت الحقيقة، ووضحت موقفها، والحق في القلب والرأي راجع لك. لو عاوزة تعرفيها أكتر، لو عاوزة تسمعي منها أكتر، أو لو عاوزة تفضلي بعيدة، ده كلو حقك، ولا أحد يقدر يجبرك على أي شيء.
نظرت ناحيتها، وشفت عيونها تنتظر ردي بكل أمل وخوف، وكأنها بتنتظر حكم يحدد مصيرها هي كمان. تنفست بعمق، وحاولت أجمع كلامي بحكمة وهدوء، وقلت لها بصوت واضح لكل اللي كان واقف حولينا
الحكاية دي كلها كانت غامضة ليا طول عمري، وكنت دائمًا أسأل نفسي ليه أمي تركتني؟ هل كنت طفلة مش مرغوبة؟ هل فيها عيب؟ وكل مرة كنت أشوف أبويا يرد عليا بكلام يطمني، ويقول لي إن اللي حصل كان ظروف، وإن الحب اللي بينا يكفي لكل شيء. واليوم جيتي وقولتي لي الأسباب، وعرفت إنك ما كنتي بتكرهيني، وإنك كنتي خايفة، وإنك عانيتي في بعدك عني. ده خفف شوية من الحمل اللي كان في قلبي، وخلاني أفهم إن الدنيا مش دائمًا أسود أو أبيض، وفيها ظروف صعبة تدفع الناس لقرارات قاسية ومؤلمة.
وقفت شوية، وكملت لكن في نفس الوقت، ما أقدر أغير شعوري ولا تاريخي. السنين اللي فاتت، الحنان اللي أخذته، التربية اللي تلقيتها، كل ده كان من أبويا بس. هو اللي كان يصحى بليل لما أمرض، هو اللي كان يصنع لي الضفائر ويجهز لي الأكل، هو اللي كان بيجري عليا من شغل لشغل عشان يلحق يدرسني ويسأل عني، هو اللي ضحى بحياته وشبابه وكل أحلامه عشان يضمن لي مستقبل كويس. فبالنسبالي، هو لسه وسيظل كل شيء، ومكانه ما يمكن يتغير ولا يأخذه أحد.
نظرت لها مرة تانية، وقلت لها برقة لكن لو سمحت، ما أقدر أقول لك إنك أمي من اليوم، لأن ده رابط بني في القلب مع الوقت، ومش مجرد كلمة أو دم. بس ما عندي نية أكرهك ولا أقطعك، ولا أمنعك من أنك تكوني تعرفي أخبارنا، وتكوني قريبة بحدود، لو ده يريح قلبك. والسماح بيحتاج وقت، وربنا يعلم إنني أحاول أفتح قلبي، بس الجرح ده مش بيلتئم في ساعة ولا يوم.
الست سمعت كلامي، وابتسمت ابتسامة مليانة ارتياح ودموع، وقالت كلامك ده أكتر بكثير مما كنت أتوقعه. جيت وأنا مستعدة لأي رد، حتى لو كان رفض تام، فاللي قلتوه ده رحمني وريح قلبي. مش هطلب أكتر من كده، مش هدخل في حياتكم بقوة، ولا هأثر عليكم بأي شكل سلبي. كل اللي أريده إنني عرفت إنك بخير، وإنك نجحت، وإن أبوكم قام بدوره على أحسن وجه. وإن شاء الله الأيام الجاية تجمعنا بحدود ما تزعجكم ولا تضايقكم.
بعد كده، استأذنت منا، وبدأت تمشي ببطء ناحية المخرج، وكل خطوة كانت هادية، وعليها ملامح راحة ما كانتش موجودة قبل كده. الناس بدأت تفرق وترجع لمكانها، وكأن الحفل رجع يسير من جديد، لكن الجو كان مختلف تمامًا، مليان تفكير وتأمل.
رجعنا لمكاننا، وأبويا مسك إيدي بقوة، وقال لي بصوت هادي ومليان فخر أنتي كنتي عاقلة جدًا في ردك، واخترتي الطريق الصحيح اللي ما يظلم حد ولا يجرح أحد. الحمد لله إن كل حاجة اتوضحت، وإننا عرفنا الحقيقة الكاملة، وإن اللي كان غامض أصبح واضح.
رديت عليه وأنا أضع رأسي على كتفه، وقلت له الحمد لله على كل حال، وأهم حاجة إنك معايا، وإنك بجانبي، ومهما حصل ومهما ظهر أي حقيقة، أنت تظل أغلى ما أملك وأعز ما في الدنيا.
مرت الأيام بعد الحفلة، وبدأت الحياة ترجع لمجراها الطبيعي، لكن الحقيقة الجديدة غيرت شيء بسيط في علاقتنا؛ زادت الثقة والتقارب أكتر، لأننا عرفنا إننا كنا في طريق صعب لكننا اجتزناه معًا. والست اللي تقول إنها أمي، بقت تتواصل معانا من وقت للتاني، بحدود، تسأل عنا، وتعرف أخبارنا، لكنها ما دخلت في تفاصيل حياتنا الخاصة، ولا حاولت تفرض نفسها. ومع مرور الوقت، بدأت المسافات تتقارب ببطء، والندم يخف، والتفاهم يزيد، وكل واحد منا أخذ مكانه الصحيح في القلوب؛ أبويا مكانه الأعلى بلا منازع، وهي مكانها كامرأة مرت بظروف صعبة، وتستحق الرحمة والاحترام بقدر ما تستحق المساءلة على قراراتها.
وبقيت الصورة المعلقة في الصالة، صورة الشاب في عمر 17 سنة، وشايل الطفلة الصغيرة، تذكرنا دائمًا إن الحب مش مجرد رابط دم، وإن التضحية والصبر هما اللي يصنعان الروابط الحقيقية، وإن الدنيا مليانة ظروف قاسية، لكن الخير والعدل والصبر دائمًا يأخذون نصيبهم في النهاية.
والحكاية دي لم تخلص بمجرد ظهور الحقيقة، بل استمرت كدرس نحمله لنا وللأجيال اللي جاية؛ إن الندم ممكن يأتي متأخر، لكنه ما يفيد إلا لو جاء مع تغيير في السلوك، وإن السماح
مش ضعف، بل هو قوة، وإن أعظم شيء في الحياة هو أن تجد السند اللي يبقى معاك في السراء والضراء، مهما كانت التحديات صعبة.

تم نسخ الرابط