جدار من صبر
الثياب العادية الذي اختفى قبل عشر سنوات، بل صار رجلاً قوي الحضور، تحيط به الهيبة والوقار، ويتبعه حراس ببدلات رسمية.
تجمعت القرية كلها في حلقة دائرية حول البيت، ووقف عادل خلف أمه ممسكاً بطرف ثوبها الأسود بقوة، ينظر بدهشة وخوف إلى هذا الرجل الغريب الذي لم يفهم الصبي لماذا تفيض عيناه بالدموع وهو يحدق في ملامحه الصغيرة. اقترب مازن بخطوات بطيئة ومثقلة بالندم، ثم انحنى أمام هناء، ونزل مستواها وقال بصوت مخنوق بالبكاء ومبحوح سامحيني يا هناء.. والله العظيم لم أتركك بإرادتي يوماً. في تلك الليلة المشؤومة وأنا عائد إلى المدينة، تعرضت لحادث سير مروع في الطريق الجبلي، وانقلبت بي السيارة، وبقيت بعدها في غيبوبة لشهور، وعندما أفقت، كنت قد فقدت ذاكرتي تماماً.. بقيت سنوات لا أذكر اسمي، ولا أعرف من أنا، ولا أين عشت.
شهقت هناء بذهول ووضعت يدها على فمها ولم تستطع النطق بكلمة واحدة، بينما واصل مازن حديثه وعيناه معلقتان بوجه عادل وعندما بدأت الذاكرة تعود إليّ تدريجياً وببطء شديد بعد كل هذه السنوات، ركضت وبحثت عنك في كل مكان، لكن أهلي كذبوا عليّ، وأخبروني أنك سئمت الانتظار وتزوجت من رجل آخر وغادرت القرية إلى مكان مجهول، وفعلوا ذلك حتى لا أعود إليك أبداً. وفي تلك اللحظة، فتح باب السيارة الثانية، وخرج منها رجل طاعن في السن يرتدي ثياباً يمنية تقليدية فاخرة، كان هو عم مازن الأكبر، وتقدم نحو الحشود وهو يطأطئ رأسه خجلاً وأسفاً أمام أهل القرية، وقال بصوت مسموع نحن نعتذر لهذه المرأة الشريفة أمامكم جميعاً. إن عائلتنا هي من أخفت الحقيقة، ورفضنا زواج ابننا من فتاة فقيرة من أطراف القرية، وظننا بغرورنا أن المال والاسم والجاه أهم من وعد رجل حر لامرأة أحبها وصانته، فدمرنا حياتهما بكبريائنا.
ارتفعت الهمسات والتمتمات بين أهل القرية، وتحولت وجوه أولئك الذين طالما سخروا من هناء ورموها بالباطل إلى وجوه شاحبة بلون الموت، وتملكتهم الصدمة والخزي؛ فقد تبين للجميع أن المرأة التي اتهموها طوال عقد من الزمان بالكذب والعار، كانت في الحقيقة ضحية نقية لكذبة ومؤامرة أكبر صنعها أهل المال والنفوذ.
اقترب مازن من عادل، وجثا على ركبتيه فوق الأرض الموحلة دون أن يبالي ببدلته الفاخرة، وأمسك بيديه الصغيرتين وقال بصوت مرتجف من شدة العاطفة أنا لا أطلب منك أن تسامحني اليوم يا بني، فأنا أعلم أن الوجع كان كبيراً، لكنني أرجوك وأتوسل إليك أن تسمح لي فقط بأن أكون قريباً منك، وأن أعوضك عن كل يوم عشته بدوني.. فأنا أبوك الحقيقي، وأنت قطعت من روحي. نظر عادل إلى أمه أولاً، كأنه يستأذن قلبها وعقلها إن كان من حق طفولته المنكسرة أن تفرح أخيراً وتتنفس الصعداء، فهزت هناء رأسها بالموافقة وهي تبكي بحرقة، لكنها كانت المرة الأولى التي تبكي فيها أمام أهل القرية برأس مرفوع ودون أن تخجل من دموعها التي غسلت قهر السنين.
وفي تلك اللحظة المأساوية، أخرج مازن ملفاً رسمياً من حقيبته وأعلنه أمام الجميع، مؤكداً أنه جاء ليوثق نسب ابنه عادل رسمياً وبشكل قانوني وعشائري، ليعيد لهناء كامل حقها وكرامتها المسلوبة، ويعوضها بأملاكه وثروته عن السنوات العجاف التي تُرِكت فيها وحدها تواجه ألسنة الناس السامة. لكن هناء لم تلتفت إلى السيارات الشاهقة ولا إلى بريق المال، بل نظرت في عينيه وقالت بنبرة عتاب هادئة إن أكثر ما كان يمزق أحشائي طوال عشر سنوات ليس الفقر، ولا برد الشتاء، ولا نظرات الجيران المؤذية، بل أن ابني كان يموت في اليوم ألف مرة وهو يسألني عن رجل كان حياً يرزق في مكان ما من هذا العالم، ولم يكن يعلم أن له طفلاً ينتظره خلف الباب.
حينها، حاولت إحدى نساء القريةوالتي طالما كانت تتزعم جلسات الغيبة والسخرية ضد هناءأن تقترب بابتسامة صفراء منافقة لتبارك لها وتتقرب منها بعد أن رأت ثراء زوجها، لكن هناء التفتت إليها ونظرت في عينيها بنظرة صامتة، حادة، ومليئة بالسمو العجيب، مما جعل المرأة تتراجع إلى الخلف بخزي وانسحاب كامل، فقد كان صمت هناء في تلك اللحظة أقسى وأشد وطأة من أي شتيمة أو رد توبيخي.
وقف مازن بكل هيبته والتفت إلى الحشود المجتمعة من أهل القرية، وقال بصوت رعدي هز أركان المكان ليسمعني الجميع هنا.. كل من آذى هناء بكلمة، أو لمزها بنظرة، أو تجرأ على شرفها، عليه أن يعلم من اليوم أن هذه المرأة العظيمة التي صبرت وحدها في وجه عواصفكم لعشر سنوات، هي أشرف وأطهر من كل من حكم عليها بالباطل دون أن يعرف الحقيقة، ومن يمسها بكلمة بعد الآن فكأنما يعلن الحرب عليّ وعلى عائلتي. ثم انحنى وأمسك بيد عادل بقوة، وكان الصبي يرتجف بين مشاعر الخوف والذهول والفرح العارم، بينما بدأت غيوم السماء تمطر بغزارة غير طبيعية، كأنما السماء تشاركهم هذه الملحمة وتغسل بماء المطر الطاهر سنوات الإهانة والظلم والتراب المتراكم على أعتاب ذلك البيت الطيني.
وقبل أن تظن هناء وتظن القرية بأكملها أن القصة قد وصلت إلى نهايتها السعيدة والمألوفة عند عودة الزوج الغائب، تحرك باب السيارة الثالثة ببطء، وخرجت منها امرأة مسنة يظهر على وجهها وقار شديد لكن يديها كانت ترتجفان وهي تمسك بظرف جلدي مغلق ومختوم بالشمع الأحمر. تقدمت المرأة المسنة بخطوات وئيدة نحو هناء ومازن، ونظرت إلى عم مازن الأكبر بنظرة مليئة بالندم والاعتراف، ثم التفتت إلى هناء وقالت بصوت متهدج ومؤثر الحقيقة لم تكتمل بعد يا ابنتي، والعدالة يجب أن تأخذ مجراها بالكامل اليوم أمام الجميع.. الحادث الذي تعرض له مازن في تلك الليلة لم يكن قضاءً وقدراً عابراً، فهناك في هذه القرية من دفع مالاً وجند رجالاً لقطع الطريق عليه
وضربه وتدبير الحادث، حتى لا يصل إلى بيتك أبداً ويتمم زواجه منك، وهناك اسم وشخص يعيش بينكم الآن هو رأس هذه الأفعى التي دمرت عشر سنوات من حياتكم. ونظرت المسنة مباشرة نحو أحد وجهاء القرية الواقفين في الصفوف الأولى، والذي شحب وجهه تماماً وبدأ يتراجع إلى الخلف محاولاً الهرب والاختفاء بين الحشود بعد أن انكشف سر جريمته القديمة التي فعلها بدافع الحقد والطمع في أملاك العائلة.