جدار من صبر
في اليمن، وتحديداً في حضن قرية صغيرة منسية تقبع على أطراف مدينة إب الساحرة بطبيعتها والموجعة أحياناً بقسوة بعض بشرها، كانت هناء تعيش في بيت متواضع للغاية، جدرانه من الطين والحجر المتهالك، وسقفه يكاد يئن تحت وطأة المطر. كانت هناء تستيقظ كل صباح مع خيوط الفجر الأولى، وتخرج والبرد ينهش عظامها لتجمع الحطب بيديها الخشنتين من الجبال المحيطة، ثم تمضي بقية يومها متنقلة بين بيوت الناس، تغسل وتكنس وتطبخ مقابل لُقيمات وقروش قليلة تسد بها رمق ابنها الوحيد عادل، الذي لم يعرف في حياته معنى كلمة أب.
كبر عادل ليصبح في العاشرة من عمره، وكان طفلاً هادئاً للغاية، يحمل في عينيه الواسعتين ملامح انكسار مبكر، وفي قلبه الحساس ندوباً لا تبرأ. كان كلما عاد من مدرستها البسيطة في القرية، يحمل في صمته حزناً جديداً وجرحاً نازفاً تركه زملاؤه في الفصل؛ فقد اعتاد الأولاد السخرية منه لأنه بلا أب يحميه، ولا يجد من يمسك بيده في طريق العودة، أو يحضر اجتماعات أولياء الأمور ليفخر به.
وفي ظهيرة حارة من أيام الصيف الشاق، كانت هناء تنحني بظهرها المتعب أمام باب بيتها تجمع الأغصان الجافة لتشعل بها التنور، فوقف عادل عند عتبة الباب، ونظر إليها بعينين تملؤهما الحيرة، وسألها بصوت بريء ومبحوح كسر ما تبقى من قلبها ماما، لماذا كل الأولاد في القرية عندهم أب يقف معهم وأنا لا يملكني أحد؟. تجمدت يد هناء فوق الأرض، وشعرت بغصة في حلقها كادت تخنقها. لم تعرف ماذا تقول له، فقد قضت عشر سنوات كاملة تبحث عن إجابة لا تجرح براءته، لكنها في كل مرة كانت تبتلع دمعتها الحارقة، وتضمه إلى صدرها قائلة إن الأم أحياناً تكون قوية بما يكفي لتحمل في جوفها قلبين بدل قلب واحد، وتلعب دور الأب والأم معاً.
لكن الحكاية خلف هذا الغياب كانت أعمق بكثير مما يتخيل الصبي. فعندما حملت هناء بعادل قبل أحد عشر عاماً، انقلبت القرية بأكملها عليها. فالناس في تلك الأنحاء لا يرحمون امرأة وحيدة تجابه الحياة بلا جدار تستند إليه، وصار كل بيت في القرية يضيف حكاية من نسج خياله السقيم، وكل فم يرميها بكلمة أقسى من الحجارة الصماء. كانوا يهمسون في مجالسهم وعلى الآبار بأنها جلبت العار لأهلها، وأن الرجل الذي وعدها بالزواج لم يكن إلا مخادعاً هرب منها وتركها لمصيرها الأسود، وأن ابنها سيكبر منبوذاً منكسراً بلا اسم أو عصبة تسنده. وكانت هناء تسمع كل ذلك وهي تمشي في طرقات القرية المتعرجة، مطأطئة الرأس، تتظاهر بالصمم كأنها لا تسمع، وتلوذ بالصبر والصمت.
والحقيقة الشريفة التي لم يكن يعلمها أحد سوى الله، هي أن الرجل الذي أحبته هناء، وكان اسمه مازن، لم يكن كاذباً أو مخادعاً في عينيها قط. لقد كان شاباً طيباً من عائلة غنية تعيش في المدينة، وعندما أخبرته بحملها ونية زواجهما القريب، طار فرحاً وأقسم لها بين يدي الله أنه سيعود إلى أهله في الليلة نفسها ليطلب مباركتهم، ثم يأتي في الصباح التالي ليتزوجها أمام القرية كلها ويرد عنها عيون الفضوليين. انتظرته هناء في ذلك الصباح، ووقفت خلف نافذتها تترقب وصوله، ثم مرت الأيام والأسابيع والشهور، ولكن مازن اختفى تماماً بلا رسالة، وبلا خبر، وبلا أي أثر، وكأن الأرض انشقت وابتلعته في الليلة التي سبقت وعده الكبير.
لم تجد هناء بعد ذلك الفقد مفراً إلا الاستسلام لعملها الشاق، فصبرت على الضيم، وعملت في الحقول تحت أشعة الشمس الحارقة، وحملت جرار الماء الثقيلة فوق رأسها، وخبأت كل قرش تكتسبه بعرق جبينها لتشتري لعادل دفتراً جديداً، أو حذاءً يقيه برد الشتاء، أو قميصاً أبيض نظيفاً للمدرسة. ورغم انكسارها، كان بعض أهل القرية يتعمدون إيذاءها، فيلقون القمامة قرب بابها الطيني ليهينوها، وبعض النساء يتهامسن ويضحكن بسخرية حين تمر بهن، أما الرجال فكانوا يتظاهرون بالشفقة الزائفة وهم يطعنون عِرضها وشرفها في غيابها. كانت تتحمل كل هذا العذاب لأجل ابنها، لكنها كانت تنهار باكية ومحطمة بالكامل في الليل حين ينام الصبي، فتنظر إلى سقف بيتها المتشقق وتدعو الله بنحيب مكتوم أن يكون مازن حياً، حتى لو نسيها، وحتى لو اختار ألا يعود إليها أبداً، فقط لأنها لم تصدق يوماً أنه كان نذلاً.
كبر عادل وسط هذا التعب الشديد، لكنه ورث من أمه كبرياءً عجيباً وكرامة لا تنحني، وكان حين يسأله أحد الخبثاء في القرية عن أبيه، يرد بصوت ثابت وقوي يعكس نضجاً تفوق به على عمره أمي تكفيني عن رجال العالم كلهم. لكنه بمجرد أن يعود إلى البيت، يركض ليدفن وجهه في حضن أمه ويختبئ هناك طويلاً حتى لا ترى عينيه المبللتين بالدموع والقهر.
وفي صباح يوم ممطر وضبابي، كانت هناء تجلس بجوار النافذة تخيط قميص عادل القديم الذي تمزق عند الكتف، وفجأة، شق سكون القرية صوت محركات قوية وغريبة تقترب من زقاقهم الضيق. كانت أصواتاً ضخمة لا تشبه قرقعة عربات الفلاحين المتهالكة ولا سيارات الجيران البسيطة. خرج الناس من بيوتهم بدافع الفضول والدهشة، ووقفت النساء عند الأعتاب يتطلعن بوجوه مذهولة، لتتوقف فجأة أمام بيت هناء المتواضع ثلاث سيارات سوداء فاخرة وضخمة، لامعة بشكل يسرق الأبصار، كأنها هبطت للتو من عالم آخر لا يعرف الفقر أو طرق هذه القرية الموحلة بالتراب والمطر.
همس أحد الرجال واقفاً بين الحشود بسخرية مريرة ربما جاءوا أخيراً ليأخذوا بيتها البائس بسبب الديون المتراكمة عليها، وقالت امرأة أخرى بحقد المصائب لا تأتي إلا لمن يخفي الأسرار والذنوب في بيته. لكن هناء بقيت واقفة عند الباب بجسد مرتجف، وهي لا تفهم شيئاً مما يدور حولها. وفجأة، فُتح باب السيارة الأولى، ونزل منها رجل يرتدي بدلة رسمية فاخرة، كانت ملامحه تبدو متعبة وخط الشيب رأسه، لكن عينيه كانتا تشعان بلهفة شديدة، وتبحثان بحدة كمن عاد من رحلة نفي دامت دهراً إلى مكان لم يغادر قلبه وروحه أبداً.
نظرت هناء إليه لثوانٍ معدودة، وشعرت برعدة
تسري في كامل جسدها، ثم تراجعت خطوة إلى الوراء وهي تشعر بأن قدميها لم تعودا قادرتين على حملها؛ فقد كان هذا الرجل هو مازن نفسه. لكنه لم يعد ذلك الشاب البسيط ذو