بعد طلاقي بخمس شهور…

لمحة نيوز

من البيت اللي بقى مليان حلم بيتكسر كل يوم.

​لكن وأنا بهرب…

كسرتها هي كمان.

​بصيت لبطنها تاني.

​وابني جوهها.

​ابني اللي ماعرفتش بوجوده غير بالصدفة في كافيه.

​سألتها بصوت ضعيف:

— “كنتِ هتعملي إيه؟”

​مسحت دمعة نزلت بسرعة.

​— “كنت هربيه.”

​— “لوحدك؟”

​ابتسمت بمرارة.

​— “اتعودت.”

​الجملة دي دمرتني.

​لأنها صح.

​أنا سيبتها تواجه أصعب لحظة في حياتها لوحدها.

​الدكتور.

الخوف.

التحليل.

أول نبضة.

​كل ده…

وأنا بعيد فاكر إن القصة خلصت.

​قلت بسرعة:

— “ليه ما كلمتنيش حتى؟”

​مريم بصتلي طويل.

​ثم قالت:

— “لأنك يوم الطلاق… لما سألتك إذا كنت بطلت تحبني… سكت.”

​قلبي وجعني بنفس القوة كأن اللحظة بتحصل دلوقتي.

​— “وسكوتك فهمني إنك خلاص تعبت مني ومن الحلم كله.”

​سكتت شوية…

ثم همست:

— “ماقدرتش أستحمل أشوفك مجبر تكمل عشاني أو عشان الطفل.”

​مديت إيدي بدون تفكير فوق الترابيزة.

​لكنها ما مسكتهاش.

​وده وجعني أكتر مما توقعت.

​سألتها:

— “إنتِ كويسة؟”

​ضحكت بخفوت.

​— “حامل ومطلقة وبنام لوحدي وبخاف من الولادة… فاختار إنت.”

​حسيت إني أصغر بني آدم في الدنيا.

​فضلنا ساكتين شوية.

​وبعدين سألتها:

— “ولد ولا بنت؟”

​لأول مرة…

ابتسامة صغيرة حقيقية ظهرت على وشها.

​— “بنت.”

​دموعي لمعت رغماً عني.

​بنت.

​أنا ومريم عندنا بنت.

​الحلم اللي دفناه…

كان عايش طول الوقت.

​بصتلي فجأة وقالت:

— “بس قبل ما تقول أي حاجة… أنا مش محتاجة شفقة.”

​هزيت راسي بسرعة.

​— “دي بنتي.”

​صوتي اتكسر.

​— “وإنتِ… لسه مراتي في قلبي مهما حصل.”

​نزلت عينيها بسرعة.

​واضح إن الجملة هزتها.

​لكن الوجع بينا كان أكبر من كلمة سهلة.

​قلت بهدوء:

— “أنا غلطت.”

​سكتت.

​وأنا كملت:

— “كنت فاكر إن الطلاق هيريحنا من الوجع… لكن الحقيقة إني كل يوم من غيرك كنت بموت أبطأ.”

​الدموع نزلت من عينيها أخيرًا.

​لكنها مسحتها بسرعة كأنها لسه مش واثقة فيا.

​— “إنت كسرتني يا كريم.”

​الكلمة خرجت منها ضعيفة جدًا…

وده خلاها أقسى.

​قومت من مكاني ببطء.

​وركعت قدامها وسط الكافيه من غير ما أهتم بالناس.

​بصيت لبطنها…

ثم ليها.

​وقلت:

— “عارف إني ما استحقش فرصة بسهولة.”

​نفسي كان بيتقطع.

​— “بس لو لسه في مكان صغير ليا… حتى كأب بس… ماتحرمنيش منكم.”

​مريم بصتلي طويل جدًا.

طويل لدرجة حسيت إنها بتشوف كل النسخة القديمة مني…

وكل اللي ضاع بينا.

​ثم حطت إيدها ببطء فوق بطنها الصغير.

​وهمست:

— “هي أول مرة تتحرك من الصبح.”

​حطيت إيدي مكان إيدها.

​وفي اللحظة دي…

​حسيت حركة خفيفة جدًا.

​صغيرة.

​لكنها رجعت الحياة لحتة جوايا كنت فاكرها ماتت.

​دموعي نزلت غصب عني.

​ومريم كانت بتعيط هي كمان.

​ولا واحد فينا قال كلمة بعدها.

​لأن بعض المعجزات…

مافيش كلام يكفيها.

​بعد اليوم ده…

​ما رجعناش لبعض فورًا.

​ودي كانت أول حاجة صح عملناها من سنين.

​لأن الحب لوحده ماكانش كفاية يصلّح كل الكسر اللي حصل بينا.

​بدأت أوصل مريم للدكتور.

أستنى معاها التحاليل.

أركب سرير البيبي بإيدي.

وأتعلم إزاي أسمع بدل ما أهبر.

​في الأول كانت متحفظة جدًا.

​أي كلمة حلوة مني كانت تقابلها بنظرة حذرة، كأنها خايفة تصدقني فتقع تاني.

​ومعها حق.

​أنا فعلًا كنت الشخص اللي مشي في أسوأ وقت.

​لكن كل مرة كنت بحس ببنتي تتحرك…

كنت أفهم أكتر حجم اللي خسرته.

​وفي ليلة مطر، بعد شهور من التعب والقلق…

​مريم ولدت.

​فضلت واقف برا أوضة العمليات وأنا حاسس إني هرجع طفل صغير من الخوف.

ولما سمعت أول عياط…

​انهرت.

​الدكتورة خرجت وهي مبتسمة:

— “مبروك… جاتلكم بنوتة زي القمر.”

​دخلت الأوضة برجلي المرتعشة.

​مريم كانت تعبانة جدًا…

لكن أول ما شافتني، ابتسمت الابتسامة اللي افتقدتها سنين.

​والممرضة حطت البنت الصغيرة بين إيديا.

​وشها كان أحمر وصغير…

وصوابعها أضعف من إني أصدق إنها حقيقية.

​لكن أول ما مسكت صباعي…

​كل حاجة جوايا اتغيرت.

​بصيت لمريم وقلت بصوت مخنوق:

— “أنا آسف.”

​هزت راسها بتعب.

​— “عارفة.”

​وسكتت شوية قبل ما تكمل:

— “بس أوعى تمشي تاني.”

​قربت منها فورًا.

​— “المرة دي… أنا اللي هفضل.”

​سمّيناها “روح”.

​لأنها فعلًا رجعت الروح لحاجات كتير ماتت جوانا.

​ومع الوقت…

​بدأنا نتعالج إحنا كمان.

​مش بس كزوجين…

كإنسانين اتكسروا وحاولوا يقوموا تاني.

​رجعنا نضحك بالتدريج.

نتكلم.

نختلف من غير ما نهرب.

ونخاف بصوت عالي بدل ما نخبي خوفنا وراه الصمت.

​وفي يوم، كنت شايل روح في البلكونة وهي نايمة على صدري، ومريم واقفة جنبنا بتسقي الزرع.

​بصتلها وسألتها:

— “إنتِ سامحتيني؟”

​سكتت لحظة…

ثم قالت بابتسامة هادية:

​— “مش مرة واحدة.”

​قربت مني أكتر.

​— “بس كل يوم شوية.”

​بصيت للبنت الصغيرة اللي بين إيديا.

​ولأول مرة من سنين طويلة…

​ماحسّتش إني هارب من حياتي.

​حسّيت إني أخيرًا…

وصلت البيت.

​تمت

تم نسخ الرابط