جوزي رجع من السفر

لمحة نيوز

فريدة. بنت جارتنا. واللي داسها.. هو إما جوزي، أو أخوه بالعربية بتاعة جوزي.
صوت الباب اتفتح براحة. دخل شريف. وشه ماكنش فيه نقطة دم واحدة. جاكيته الرمادي كان متبهدل تراب، وعينه كانت زايفة، بتلف في الشقة كأنه بيدور على مخبأ. قفل الباب وراه بالترباس، وسند بضهره عليه وهو بيلهث كأنه كان بيجري ماراثون.
بصيت له ببرود وسألته
غسلت إيدك؟ عشان الأكل هيبرد.
شريف بص لي بنظرة رعب، كأني شبح واقف قدامه
أكل؟ أكل إيه وزفت إيه يا هناء! أنتِ مش فاهمة حاجة.. مش فاهمة أي حاجة!
قمت من مكاني وبدأت ألم الأطباق بهدوء
فاهمة يا شريف. فاهمة إن عربيتك الكيا البيضا هي اللي مفرومة تحت. وفاهمة إن البنت اللي ماتت هي فريدة بنت سلوى جارتنا.. وفاهمة كمان إنك ماكنتش في السوبر جيت.
شريف قدم خطوتين عليا، مسك كتفي بعنف وهزني
اسمعي.. اسمعي كويس وماتنطقيش بحرف! حازم هو اللي كان سايق.. حازم كلمني وهو بيعيط الساعة خمسة ونص وقال إنه خبط حد في مصر الجديدة والعربية عطلت منه. أنا كنت لسه واصل موقف الميكروباصات، أخدت تاكسي وجيت جري.. لقيت المنظر ده. حازم هرب.. هرب قبل ما الناس تتجمع. أنا اللي روحت وقفت جمب العربية عشان الناس فاكرة إني أنا اللي كنت سايق.. لأ، أقصد.. المحضر دلوقتي بيتكتب.
بصيت في عينه مباشرة.. النبرة الآمرة، الفوقية اللي كان بيكلمني بيها طول ال 7 سنين، اتلاشت. مفيش قدامي دلوقتي غير فار محبوس في مصيدة.
المحضر بيتكتب باسم مين يا شريف؟ سألته بنبرة تخرج من قاع البئر.
بلع ريقه وصوته اتهز
باسم.. باسم مجهول لحد ما يشوفوا الكاميرات.. أو.. أو أنا هلبسها لحازم.. لأ مش هينفع، حازم هيروح فيها إعدام أو مؤبد، الواد شارب يا هناء! الواد كان طالع من حفلة وشارب زفت! لو دخل تحليل دم هيضيع.. ومستقبله هيتدمر.
. وأمي هتموت فيها.
ضحكت. ضحكة مكتومة وصغيرة طلعت من بين سناني
وأم فريدة؟ سلوى اللي تحت دي.. ذنبها إيه؟ بنتها ماتت في مكانها يا شريف. دمها سايح على الأسفلت عشان الباشا الصغير مستهتر، وباشا الكبير جاي يغطي عليه.
أنتِ هتعلميني الصح من الغلط؟! زعق في وشي، وحاول يرجع لهيبته القديمة أنتِ ليكي بيتك وأكلك وبنتك وبس! الموضوع ده ماتفتحيش بوقك فيه قدام مخلوق.. سلوى دي هندفع لها دية، هنديها قرشين يعوضوها..
قاطعت كلامه وأنا برفع إيدي في الوش
يعوضوها عن بنتها؟ أنت بجد بتقول كده؟
في اللحظة دي، تلفزيون الصالة كان لسه شغال على الكارتون، وصوت ضحكات ميكي ماوس كانت طالعة ومختلطة مع صوت بكاء هستيري جاي من الشارع تحت.. صوت سلوى وهي بتصرخ على بنتها.
شريف سابني ودخل الحمام يغسل وشه. وقفت في المطبخ، وبصيت على تليفوني اللي على الرخامة. فتحت قائمة المكالمات. الرقم الغريب اللي كلمني الساعة خمسة ونص.. ماكنش حازم. الرقم ده كان رقم شريف التاني.. الخط اللي مبيستخدموش غير في الشغل بره. أنا حفظت الرقم ده صم.
يعني شريف هو اللي كلمني من تليفونه التاني في نفس وقت الحادثة? لا.. حازم ميعرفش الرقم ده. شريف هو اللي كان سايق. شريف هو اللي كان سايق العربية البيضا، وهو اللي داس البنت! ولما لقى المصيبة كبرت، حب يعمل سيناريو إن حازم هو اللي كان سايق عشان يستغل سوابق أخوه في الاستهتار، أو عشان يطلع منها زي الشعرة من العجين بحجة إنه كان جاي في السوبر جيت وجري لما عرف!
دخلت وراه الحمام من غير ما يحس. كان واقف قدام الحوض، بيغسل إيده وعينه في المراية، ودموعه نازلة.. بس مش دموع ندم.. دي دموع خوف من السجن، خوف من ضياع المركز الدكتور المحترم، الباشمهندس الكبير.
شريف.
التفت ليا وهو بينشف وشه بالفوطة
عايزة
إيه تاني يا هناء؟ قولتلك اقفلي على الموضوع.
أنت اللي كنت سايق يا شريف.. مش حازم.
الفوطة وقعت من إيده على الأرض. ملامحه انكمشت، وتحول لحيوان شرس حاسس إن نهايته قربت
أنتِ اتجننتي؟ أنتِ بتقولي إيه؟
الرقم اللي كلمني الساعة خمسة ونص وعشرة.. ده رقمك السري بتاع الشغل بره. حازم ميعرفوش ومستحيل يكون معاه. أنت كنت سايق، وكنت مستعجل عشان تلحق العشا اللي طالبه بالملّي.. كنت سايق وبتتكلم في التليفون.. أو يمكن كنت سايق ومابصيتش قدامك.. ودست فريدة.
قرب مني خطوة، وعينه برقت بشر عمري ما شوفت فيه زيه
ولو كنت أنا؟ هتعملي إيه يعني؟ هتروحي تبلغي عن جوزك وأبو بنتك؟ هتروحي تخربي بيتك بإيدك؟ عشان مين؟ عشان حتة عيلة ماتت وخلاص؟ اسمعي يا بت الناس.. الكلمة دي لو طلعت بره الحمام ده، أنا هطلقك وآخد ليلى منك، ومش هتشوفيها تاني.. وأنتِ عارفة نفوذ عيلتي وعارفة أمي ممكن تعمل فيكي إيه.. هطلعك مجنونة وغير صالحة للحضانة.
النبرة دي.. هي هي النبرة اللي عشت معاها 7 سنين. نبرة التهديد، الكسر، الإذلال الفوقي اللي بيخليني دايماً أحس إني ولا حاجة.. إني مجرد آلة لتنفيذ طلباته وطبخ أكله المفضل.
بصيت له بثبات غريب، وابتسمت
مش هتلحق يا شريف.
مش هلحق إيه؟
في اللحظة دي، صوت خبط رعدي على باب الشقة بره. الخبط ماكنش خبط عادي.. ده كان رزع على الباب بكعب طبنجات وصوت عالي بيزعق
افتح يا باشمهندس شريف.. بوليس.. الشرطة معاك!
شريف ركبته خبطت في بعضها، وبص لي بذهول

أنتِ.. أنتِ كلمتيهم؟
لأ.. أنا مكلمتهمش، قولتله وأنا بتحرك ببرود نحو الصالة بس وأنا واقفة في البلكونة بعد الحادثة ب خمس دقائق، شوفت تليفونك واقِع على الأرض جمب فرملة العربية من بره والشاشة بتاعته منورة.. وكمان كاميرات المحل اللي في الوش كاشفة الشارع

كله وكاشفة مين اللي نزل من باب السواق وجري ومين اللي رجع تاني.. البواب بتاع عمارتنا شافك وأنت بتجري وتستخبى في المدخل قبل ما تطلع.. والناس تحت بلغت بكل حاجة.
مشيت لحد باب الشقة وفتحّت الترباس. دخل ضابط المباحث ومعاه عسكريين. بصوا لشريف اللي كان واقف في الطرقة زي الصنم.
الضابط الباشمهندس شريف؟
شريف صوته طلع مخنوق أفندم.. في إيه؟
الضابط مطلوب القبض عليك بتهمة القتل الخطأ والهروب من مكان الحادثة.. اتفضل معانا من غير شوشرة.
شريف بص لي نظرة أخيرة.. نظرة كلها غل، وندم، ورعب. كان عايزني أتكلم، كان عايزني أقول للضابط لأ ده جوزي وكان معايا، كان مستني مني دور الزوجة المطيعة الضعيفة اللي بتضحي بأي حاجة عشان تحمي سيدها. بس أنا فضلت واقفة.. ساكتة.. ومبتسمة.
بعد ما أخدوه ونزلوا، والشارع بدأ صوته يهدى شوية بشوية بعد ما عربية الترحيلات مشيت.. قفلت باب الشقة بالترباس تاني. الشقة بقت هادية تماماً، مفيش غير صوت التلفزيون الخافت من أوضة ليلى.
دخلت المطبخ.. بصيت على الأكل المرصوص على السفرة الفيليه بصوص السويت آند ساور.. السمك القاروص.. الجمبري بالثوم.. وبولاة شوربة البيض بالطحالب.
مسكت طبق الفيليه البارد.. ورميته كله في كيس الزبالة. وبعده طبق السمك.. وبعده الجمبري.. والشوربة دلقتها في الحوض. لأول مرة من 7 سنين، أحس إن نفسي طويل.. وإن الهوا بيدخل صدري من غير ما يجرحني. لأول مرة أحس إن المطبخ ده بتاعي أنا، مش سجن بطبخ فيه تمن حريتي وكرامتي.
رحت على أوضة ليلى، فتحت الباب براحة. لقيتها قاعدة على السرير وبتلعب. قعدت جمبها وأخدتها وقبلت راسها
عايزة تشربي زبادو يا حبيبتي؟
البنت بصت لي بفرحة وقالت آه يا ماما.. هو بابا مش هيتعشى معانا؟
هزيت راسي وأنا ببتسم وبمسد على شعرها
لأ يا
ليلى.. بابا مش جاي يتعشى معانا تاني.. خلاص.
تمت.

تم نسخ الرابط