جوزي رجع من السفر
المحتويات
الأصلي إيه. ومع ذلك.. عيني لقطت التفصيلة دي على غوشة البالطو عند إيدها، كان فيه تطريز لوردات بيضا صغيرة.. وردات رقيقة، مرصوصة جنب بعضها بالمسطرة. فضلت كذا ثانية متنحة ومثبتة عيني على الورد ده.
تحت، الناس بدأت تتجمع، اللي بيصرخ واللي بيتصل بالإسعاف، وفي ست حطت إيدها على عين ابنها عشان مايشوفش. ليلى لزقت فيا وهي بترتعش، وماقدرتش تبص تاني. قمت قفلت الستارة.. من غير ولا كلمة.
الساعة سبعة بالظبط، المفتاح لف في الكالون. شريف دخل وجارر وراه شنطة السفر، وبيمصمص شفايفه وهو بيقلع جزمته بزهق
الفيليه جاهز؟ قولتلك مية مرة بلاش تنشفيه...
سكت فجأة أول ما شاف السفرة جاهزة ومتظبطة، ملامح وشه هديت شوية. ساب الشنطة في الطرقة زي عادته، وقرب من الأطباق ووطى يشم ريحة الصوص
تمام.. شكله مظبوط.
أنا كنت لسه قاعدة مكاني على السفرة. ماقُمتش. كنت بكتفي إني باصة له وبس. كان لابس جاكيت رمادي مقفول بسوستة لحد رقبتة، شعره كان منكوش شوية، والهالات السودا تحت عينه أغمق من الطبيعي. للوهلة الأولى، يبان إنه راجل مانامش بقاله كام يوم.
مالك؟ سأل وهو بيضم حواجبه باستغراب.
هو يا دوبك لسه واخد باله من سكوتي. بصيت له كام ثانية كمان.. وبعدين قولتله بصوت هادي جداً
حبيبي... في حادثة
إيده اتجمدت في مكانها لجزء من الثانية.. يا دوبك لمحته. كان لسه هيمد إيده يقطع حتة فيليه من الطبق، بس صوابعه وقفت في الهوا كأن كهربا ضربتها. حركة عينه وهي بتتحول من طبق الأكل لوشي كانت سريعة، مرعوبة، ومش طبيعية بالمرة. ملامح الوش الهادي المسترخي، اللي كان لسه جاي يمارس سلطته المعتادة ويشتكي من الأكل، اتبخرت في أقل من لمح البصر.
وبعدها، في لحظة، لقيته نازل يجري على السلم زي المجنون اللي عقله طار منه. ماستناش حتى الأسانسير يطلع له. ساب باب الشقة مفتوح وراه، وصوت خطواته وهي بتدب على درجات السلم الرخام كان عالي وبيرن في العمارة كلها، كأنه صوت طبول بتعلن عن مصيبة.
أما أنا.. فضلت واقفة في مكاني. وبكل برود، مسكت تليفوني.
ليلى بنتي كانت واقفة ورايا، ماسكة في طرف عبايتي البيتي وهي بترتعش. صوت سارينات عربيات الشرطة والإسعاف تحت بدأ يعلى ويدخل من الشيش المقفول. المكان بره كان بيتحول لسرادق غضب وخوف، وأنا هنا.. جوه المطبخ.. في قمة الثبات.
بصيت على الشاشة. التليفون كان فيه مكالمة لم يُرد عليها من رقم غريب، جالي الساعة خمسة ونص، وأنا بقلّب الفيليه في الزيت. الرقم ده أنا ما اهتميتش أرد عليه وقتها عشان كنت
رجعت بالذاكرة لورا.. تلات سنين كاملين. افتكرت الخناقة الكبيرة اللي حصلت بين شريف وبين أخوه الصغير حازم. حازم كان مستهتر، بتاع بنات وسهر وسواقة مجنونة. وفي ليلة من الليالي، شريف رجع البيت ووشه أصفر زي الليمونة، وقفل على نفسه وعلى أخوه باب المكتب. أنا وقفت ورا الباب وسمعت شريف وهو بيزعق بصوت مكتوم أنا لميت وراك المصيبة دي المرة دي يا حازم.. بس المرة الجاية لو لمست عربيتي الكيا البيضا تاني، أو شوفتك سايق وأنت مش في وعيك، أنا اللي هسلمك بإيدي.. أنت كنت هتموت روح!
العربية البيضا. العربية اللي وشها مفروم تحت في الشارع دلوقتي.. هي عربية شريف الكيا البيضا اللي بقالها أسبوعين مع حازم بحجة إن عربية حازم في التوكيل. شريف ماجاش بالدائري في أتوبيس السوبر جيت زي ما قالي.. شريف كان في العربية دي، أو كان سايق وراها.. أو..
فتحت الستارة تاني براحة. الشارع تحت كان منور بكشافات ليد زرقاء وحمراء بتاعة عربيات النجدة. شريف كان واقف في نص الدايرة، وسط الناس والظباط. كان ماسك راسه بإيديه الاتنين، ونازل على ركبه في الطين والدم اللي مغرق الأسفلت. من بعيد، كان يبان زي أب مكلوم
قربت من ليلى وطيت لمستواها، وابتسمت لها ابتسامة هادية
ليلى يا حبيبتي.. ادخلي أوضتك والعبى بالعروسة الجديدة، وماتفتحيش الشباك خالص، ماشي؟
البنت هزت راسها بخوف وجريت على جوه. قعدت على الكرسي في الصالة، وحطيت رجل على رجل.
الساعة بقت تمانية إلا ربع بالليل. الأكل على السفرة بدأ يبرد. صوص السويت آند ساور عمل قشرة خفيفة على الوش، والجمبري بالثوم فقد بريقه اللامع. كل المجهود، كل السنين اللي عشتها بتعلم فيها إزاي أكون الزوجة المثالية اللي بتقدم الطلبات بالملّي عشان تتفادى نظرة تقليل أو كلمة تجرح من جوزها أو أمه.. كل ده حسيت إنه انصهر في ثانية واحدة قدام منظر الوردات البيضا المطرّزة على غوشة البالطو البيج بتاع البنت اللي ماتت تحت.
الوردات دي.. أنا عارفاها. دي كانت ورشة عمل يدوية أنا اشتركت فيها من شهرين مع جارتنا في الدور الرابع، مدام سلوى. مدام سلوى عندها بنت وحيدة اسمها فريدة، عندها 9 سنين. فريدة كانت بتيجي تلعب مع ليلى أوقات. البالطو ده، سلوى كانت مطرزاه بإيدها لبنتها عشان الشتا. يعني البنت اللي
متابعة القراءة