جوزي رجع من السفر
أول ما جوزي رجع من السفر، قولتله بصوت هادي وراسي لدرجة تخوف
في حادثة حصلت تحت البيت.. في بنت صغيرة ماتت في مكانها.
إيده اتجمدت في مكانها لجزء من الثانية.. يا دوبك لمحته. وبعدها في لحظة، لقيته نازل يجري على السلم زي المجنون اللي عقله طار منه. أما أنا.. فضلت واقفة في مكاني. وبكل برود، مسكت تليفوني.
لما التليفون رن في أول الظهر، كنت واقفة في المطبخ، بغرق قطع اللحمة الفيليه في الدقيق.
ماما.. بابا كلمني وقال إنه راجع يتعشى معانا النهاردة.
بنتي، ليلى، كانت واقفة على باب المطبخ ولابسة بيتي صغير في رجليها، وكانت بتهز تليفوني في إيدها كأنها بتبشرني بفتح عظيم.
عارفة يا حبيبتي.
حطيت اللحمة في الطبق ورفعت عيني بصيت على الساعة. كانت أربعة العصر. بعد 7 سنين جواز، حفظت طبع شريف صم. كل ما يرجع من مأمورية سفر، لازم يخلي بنتنا هي اللي تبلغني. دي ماكنتش بتبقى عزومة ولا خبر عادي، دي كانت طريقته عشان يفكرني باللي مستنيه مني. كان لازم أحضر له الأكلات اللي بيحبها فيليه بصوص السويت آند ساور، سمك قاروص على البخار بصوص الصويا، جمبري بالثوم، وبولاة شوربة البيض بالطحالب.. دي عادات خد عليها من كتر سفرياته وشغله بره مصر. ده المنيو بتاع رجوعه.. طقس مقدّس،
الساعة أربعة وعشرة، بدأت أجهز الصوص. صوص صويا، خل أسود، سكر، صلصة طماطم.. مقادير بالملّي، مفيش فيها غلطة. في أول جوازنا، ماكنتش بعرف أفرّق بين النشا والدقيق. النهاردة، جيرانا في العمارة هنا في مصر الجديدة دايماً يقولوا عليا إني ست بيت ونفسي في الأكل يجنن. بس محدش فيهم كان عارف السر وراء الشطارة دي إيه.
الشطارة دي بدأت من اليوم اللي شريف رمى فيه طبق مكرونة معجنة كنت عاملاه في الزبالة، وقدام دكاترة زمايله في الشغل. بدأت من اليوم اللي حماتي داقت فيه لقمة واحدة من عمايل إيدي، وقالت ببرود وتعالي الستات اللي ضامنين مكانهم بذمتك.. أنتِ بتسمي ده أكل؟ وبالذات.. بدأت من الليالي اللي كنت بسهرها لوحدي in المطبخ، تليفوني مسنود على برطمان الملح، وأنا بتفرج على فيديوهات طبخ لحد الساعة 2 بالليل، وأعيد الوصفة مرة واتنين وتلاتة لحد ما الطعم يطلع بالمسطرة زي ما هم عايزين.
على الساعة خمسة، السمك كان متبل، الجمبري متنضف، وقطع الفيليه مرصوصة في الطبق ومستنية تنزل في الزيت السخن. التليفون رن تاني. كان شريف.
بدأتي في العشا؟
صوته كان باين عليه التعب، بس نبرته هي هي ماتغيرتش. النبرة اللي بتحسسني إن كل اللي بعمله ده
خلاص قربت أخلص.. أنت فين؟
أنا لسه خارج من على الدائري.. قدامي بتاع 40 دقيقة. واوعي تنشفي الفيليه زي المرة اللي فاتت، كان عامل زي الحطب.
حاضر.
أول ما قفلت، ولعت النار. الزيت بدأ يقدح في الطاسة، وريحة التحمير التقيلة ملت المطبخ. في الصالة، ليلى كانت بتتفرج على كارتون، ومَعلية الصوت على الآخر. كنت بقلب اللحمة وأنا حاسة إن اليوم ده فيه حاجة غريبة.. كأن فيه تاريخ مهم أنا ناسياه. إحساس غريب وراخم، بيلف في دماغي بين كل خطوة والتانية وأنا بطبخ. فكرت شوية.. وبعدين نفضت دماغي.
السمك كان في الحلة على البخار، والشوربة بدأت تغلي براحة. سندت بضهري على باب المطبخ وأخدت نفسي.. كان فيه كام نقطة زيت طاروا على المريلة بتاعتي، قعدت أفركهم بصوابعي وأنا مش مركزة أصلاً. ليلى جت تجري ومسكت في رجلي
ماما.. ممكن أشرب زبادو؟
استني لما بابا يرجع الأول.
لوت بوزها وشبرقت، ورجعت تاني على الصالة.
الساعة ستة وعشرة، الأربع أطباق والشوربة كانوا مرصوصين على السفرة. قعدت قدام الأكل وهو لسه سخن ومحدش لمسه. بره، الليل كان خلاص ليل.. شبابيك العمارة اللي قصادنا بدأت تنور واحد ورا التاني، كأنها مشاهد
الساعة ستة وأربعين دقيقة.. صوت هبَدة مرعبة هز الشارع كله. ده ماكنش صوت خبطة عربيات عادية. الأول كان صوت خبطة حديد في حديد مكتومة، وبعدها دشملة إزاز بيتكسر، وفي الآخر الصوت اللي يقشعر له الأبدان.. صوت حاجة تقيلة بتتجر على الأسفلت لكام متر. ليلى صرخت صرخة مكتومة وجريت على الشباك
ماما! في حاجة جامدة حصلت تحت!
قومت وشدت الستارة. عربية بيضا كانت واقفة بالعرض في نص الشارع، ووشها مفروم خالص. وجنبها عربية دفع رباعي سودا لبست في الرصيف وفي عامود النور اللي اتقلب، بعد ما داست في سكتها على كذا عربية راكنة. سارينات الإنذار كانت بتصرخ في الشارع كله.
بس مش المنظر ده هو اللي جمد الدم في عروقي. اللي كتم نفسي بجد.. كانت البنت اللي مرمية على الأسفلت. ماكنتش بتهز. شعرها الأسود الطويل كان مفرود حوالين راسها وهي غرقانة في دمها.. كانت لابس بالطو بيج، بس القماش كان متبهدل دم لدرجة