قصة ثمن الأصول ​بقلم منال علي

لمحة نيوز

من طريقنا خلينا نشوف شغلنا.
المرة دي مدحت اتحرك.. خطوتين لورا.. خطوتين كانوا كفاية.
النجار وطى وبدأ يفك في الكالون القديم.
ياسمين فضلت واقفة على العتبة وباصة لجوه.. شافت إيشاربها المرمي في الأرض وملموم بإهمال جمب الجزامة. شافت كرتونة من كراتين طنط صفية محطوطة فوق كومة من كتبها ورواياتها. وشافت الدوسيه الكحلي اللي فيه طلب ال 3 مليون جنيه لسه مرمي على السفرة جمب فنجان القهوة بتاع امبارح.
المنظرة الكدابة والبيوت المحترمة اللي كانوا بيتكلموا عليها، كل ده انهار هنا، بين وصلات الديون والكدب.. وما فيش كلمة حلوة ولا طيبة خاطر هتقدر تلم اللي اتكسر.
مدحت نبرة صوته اتغيرت ومالت للهداوة ياسمين.. طب خلينا نقعد ونتكلم ونحلها ودي.
الكلمة دي بالذات، في الوقت ده بالذات، كانت إهانة تانية فوق إهاناته.
نتكلم؟ بعد ما قررت كل حاجة لوحدك؟ نتكلم بعد ما قفلت الباب في وشي وطردتني؟ نتكلم بعد ما فرضت عليا أهلك، وشنطهم، وديونهم، واستغلالكم، وقلة القيمة؟
ياسمين خدت نفس طويل وقالتله
كنت اتكلمت معايا امبارح.. قبل العربية الربع نقل، قبل الدوسيه الكحلي، وقبل ما تمد إيدك على هدومي وترميها على السلم.
مدحت بص للمحامي، وبعدين لأمناء الشرطة، وبعدين لأمه.
صفية عينيها دمعت، بس ما كانش دمع ندم.. كان دمع غل وحقد هي دي الأصول؟ هي دي الطريقة اللي
بتعاملي بيها عيلتك؟
ياسمين ما رجعتش خطوة لورا لأ.. دي الطريقة اللي بعامل بيها اللي بيدخل بيتي ويفكر إن أدبي واحترامي ضعف.
الحاج شاكر خبا وشه بين إيديه. الكناري طلع زقزقة خفيفة في القفص، صوت صغير أوي وضعيف في وسط الخراب ده كله. بس ياسمين سمعته.. سمعت كل حاجة.
صوت مفك النجار وهو بيفك الحديد..
صوت الورق اللي في إيد المحامي..
نفس صفية المكتوم والمقهور..
وسكوت الجيران اللي ورا الشيش ومتابعين الفضيحة من بعيد.
وسمعت صوتها هي.. الصوت اللي لأول مرة ما بيطلبش إذن من حد عشان يتكلم.
النجار رفع عينه أركب الجديد يا فندم؟
المحامي بص لياسمين.. وأمناء الشرطة مستنيين كلمتها.
مدحت فتح بقه عشان يقول أي حاجة، بس ما فيش كلام في الدنيا يقدر يغطي على اللي عمله.
ياسمين افتكرت ليلتها وهي نايمة على كنبة صاحبتها ندى.. افتكرت الجدعنة اللي من غير شروط وفنجان القهوة اللي اتعملها من غير أسئلة. افتكرت كل الستات اللي بيتقال عليهم ناشفين وقاسيين لمجرد إنهم بيحموا شقاهم وتعبهم. افتكرت الشقة دي يوم ما اشتريتها قبل الجواز، وأول مرة لفت المفتاح في الكالون، والهدوء الجميل اللي كان مالي المكان في أول يوم دخلته.
بصت للنجار وقالت ركب.
كلمة واحدة.. لا فيها زعيق، ولا انتقام.. كلمة نضيفة وقاطعة.
النجار بدأ يشتغل ويدق.. مدحت حاول يقرب خطوة، بس أمين
الشرطة وقف في النص ومنعه. صفية حطت إيدها على بوقها، والحاج شاكر فضل انكماش في نفسه أكتر على الكرسي الخشب.
وياسمين دخلت شقتها.. مش كست راجعة ومكسورة وبتطلب السماح، دخلت كصاحبة الملك اللي بتسترد حياتها وتاريخها.
أول حاجة عملتها، وطت على الأرض، لمت إيشاربها المتبهدل.. وطبقته بكل هدوء.
وبعدين راحت على السفرة، مسكت الدوسيه الكحلي بتاع ال 3 مليون جنيه، رفعته في الهواء وبصت لمدحت وقالت
الورق ده.. مش هيقعد في بيتي دقيقة واحدة.
مدحت بص لها بغل وسأل إنتي بجد بتخربي بيتك وبتضيعي جوازنا عشان حتة شقة؟
ياسمين بصتله طولت النظر.. السؤال نفسه كان غلط في كل تفصيلة فيه.
الموضوع عمره ما كان عشان شقة!
الموضوع كان عشان الباب اللي اترزع في وشها..
عشان الهدوم اللي اترميت على السلم..
عشان اسمها اللي اتحط على ديون مش بتاعتها..
عشان الطريقة اللي هو خلط فيها بين الحب وبين فرض السيطرة والبلطجة..
عشان طنط صفية اللي كانت مقتنعة إن الست لازم تطاطي وتتكسر لمجرد إنهم قالوا كلمة عيلة.
مش أنا اللي خربته يا مدحت، ياسمين ردت بنبرة هادية أنا بس بطلت أمثل إنه لسه سليم.
ما حدش نطق. الشمس بدأت تدخل قوية من شباك المطبخ، منورة السفرة، والورق، وكنكة القهوة الباردة، والشنط المفتوحة، وجزم الحاج شاكر المتلمعة المرصوصة جمب الحيطة بانتظام مبالغ فيه. كل
حاجة كانت باينة طبيعية.. وده بالذات اللي كان بيخوف.
أوقات، أبشع الحاجات بتحصل في بيوت نضيفة، بين كراسي مترتبة، وفناجين مغسولة، وناس بتتكلم باسم الأصول والدين والعيلة.. وهما كل هدفهم ياخدوا حاجة مش بتاعتهم.
ياسمين سلمت كام ورقة للمحامي، وبصت لمدحت لآخر مرة. ما لقتش فيه الراجل اللي يستاهل تتحارب عشانه، لقت جوز يمكن ما كانش موجود بجد في يوم من الأيام.
مدحت نزل عينيه الأرض.. ودي كانت أول علامة على انكساره وهزيمته، بس ما كانتش علامة ندم.. وياسمين، أخيراً، فهمت الفرق بين الاتنين.
باقي اليوم والصبحية هيعدي في إمضاءات، وحصر للعفش، وكراتين بتطلع تاني برا الشقة، ومكالمات، وكلام كتير تقيل. صفية هتعيط قدام الناس والجيران عشان تكسب عطفهم، والحاج شاكر هيحلف ورايح جاي يقول أنا ما كنتش أعرف إن الموضوع كده، ومدحت هيجرب شوية غضب، وشوية لوم، وشوية كلام حنين ملهوش معنى.
بس باب الشقة دي مابقاش تبع حكايتهم خلاص.. الباب ده بقى يخص ياسمين لوحدها.
ولما المفاتيح الجديدة نزلت في إيدها، تقيلة وساقعة، حست بحاجة ما حستهاش من امبارح..
مش فرحة.. ولا شماتة وانتقام..
حست ب مساحة.
مساحة تتنفس فيها من غير ما تطلب إذن من حد.
مساحة تقرر فيها مين يدخل ومين يفضل برا.
مساحة تفتكر فيها إن البيت مش مجرد حيطان، وعفش، وعقود..
البيت هو المكان اللي
ما حدش يملك فيه إنه يطردك عشان يعلمك الأدب والطاعة!
تمت

تم نسخ الرابط