قصة ثمن الأصول ​بقلم منال علي

لمحة نيوز

شرطة، نجار معاه شطة عِدد كاملة، محامي واقف بكل هيبة وحامل روبه الأسود في إيده، ودوسيه أحمر منفوخ بقرارات تمكين وعقود مسجلة، لدرجة تخلي صفية تنسى تبتسم قبل ما تعرف حتى إيه اللي مستنيها جوه...
مدحت فضل واقف على عتبة الباب، بقميصه المكرمش وشكله المبهدل، بس لسه فيه نفس العجرفة بتاعة الشخص اللي فاكر إنه هيلم الموضوع ويسكّت الكل بزعقة وصوت عالي
إيه التمثيلية والمخرجة اللي إنتي عاملاها دي؟ برطم وزعق بغل، بس المرة دي صوته ما كانش ليه نفس الهيبة ولا التقّل بتاع زمان.
ياسمين ما دخلتش الشقة علطول. فضلت واقفة على بسطة السلم، بس المرة دي ما كانتش حافية، كانت لابسة جزام شيك متبعاها من صاحبتها ندى، وحاضنة شنطتها جمبها بكل ثقة. النجار بص على الكالون وبدأ يجهز عِدته، والمحامي فتح الدوسيه الأحمر، وواحد من أمناء الشرطة بص لمدحت وقاله بحزم
أستاذ مدحت.. على جنب بعد إذنك وسيبنا نشوف شغلنا.
من جوة الشقة، جه صوت زقزقة ضعيفة من قفص الكناري.. وفجأة ظهرت طنط صفية في الصالة وهي لابسة عباية بيتي ووشها مخطوف ومصفر من الخضة
مدحت، برطمت بصوت واطي ومرعوب، قولهم يا ابني إننا عيلة واحدة وما ينفعش الفضايح دي.
المحامي بكل هدوء حط على ترابيزة الصالة صورة طبق الأصل من عقد
الشقة المسجل في الشهر العقاري، ووصل قديم بتغيير الكالون كانت ياسمين شايلاه من سنين، ولقطات شاشة اسكرين شوتس من رسايل ليلة امبارح اللي مدحت بيطردها فيها، وورقة تانية فيها لستة بكل العفش اللي هما نقلوه في أوضة الضيوف من وراها.
الحاج شاكر، اللي كان عامل نفسه مش فاهم حاجة ومقضيها وأنا مالي، قعد فجأة على الكرسي الخشب اللي جابه معاه، وإيديه بدأت تترعش على ركبه من الخوف.
في اللحظة دي، ياسمين بصت لمدحت في عينه، وقالتله بصوت واطي ومسموع
اسمعني كويس بقى يا مدحت، عشان دي آخر مرة في حياتك هتقف وتتكلم معايا قدام باب بيتي.
مدحت نزّل عينيه وبص على أول صفحة في الدوسيه اللي مع المحامي.. وهناك.. شاف حاجة صدمته، حاجة ما كانش يتخيل في عمره كله إنها موجودة أصلاً
العيلة المحترمة ما بتدخلش بيوت الناس بالليل بشنط وهدوم، وتدبس صاحبة البيت في وصلات ب 3 مليون جنيه وهي ما وقعتش على حاجة!
الحاج شاكر طلع من الطرقة في اللحظة دي بالظبط. كان لسه لابس بنطلون امبارح وجزمته المتلمعة بعناية، بس وشه كان ضايع منه كل الثقة والعنجهية اللي كانت فيه. بص على أمناء الشرطة.. وبص على المحامي.. وبص على الدوسيه.. وبعدين بص على ياسمين.
وفجأة، قعد على الكرسي الخشب اللي بيتطبق واللي كان
جايبه معاه وهو بينقل حاجته. إيديه كانت بترتعش بشكل ملحوظ فوق ركبه.
مدحت حاول يلم نفسه ويستعيد السيطرة على الموقف
ياسمين إنتي مأفورة الموضوع أوي وعاملة زفة! احنا كنا في أزمة ومحتاجين حل سريع، وأهلي مش هينفع يقعدوا في الشارع!
يبقى كنت تيجي تتكلم وتتفق مع مراتك، ياسمين ردت عليه ومن غير ما تعلي صوتها مش تاخد قرارات تخص بيتي، وفلوسي، وباب شقتي من ورا ضهري.
إنتي مراتي! زعق مدحت كأنه بيفكرها.
بس أنا مش البنك الآلي بتاعك ولا بتاع أهلك.
السكوت اللي حل بعد الجملة دي لف الشقة كلها. حتى الكناري في قفصه سكت وما طلعش صوت.
طنط صفية حطت إيدها على صدرها ومثلت الخضّة كأنها هي الضحية والمجني عليها
بقى بعد كل اللي عملناه عشان مدحت.. ده يبقى جزاءنا؟
ياسمين قطعت كلامها بحسم
لأ.. وفري النغمة دي، عشان الاسطوانة دي مش هتمشي عليا ولا هتاكل معايا عيش.
المحامي قلب صفحة تانية في الدوسيه، وصوت الورق وهو بيتقلب كان له هيبة سكتت الكل. مدحت نزل عينيه وبص على الورقة اللي المحامي بيشاور عليها. في الأول ملامحه ما فهمتش، بس بعد ثواني وشه اتقلب تماماً.. ما بقاش غضب، بقى رعب حقيقي!
ياسمين شافته وهو بيقرا التاريخ.. شافت صباعه وهو بيقف عند السطر اللي مكتوب فيه توصيف الطرد بالقوة،
وتبديد المتعلقات الشخصية، والتمكين من عين مملوكة للزوجة بعقد مسجل.
طنط صفية مدت رقبتها عشان تفهم في إيه، والحاج شاكر ريقه جف وبلع بالعافية.
في اللحظة دي، الشقة.. الشقة اللي كانت امبارح بالليل مليانة بأصوات غريبة وناس بتقتحمها، بدأت ترجع لصاحبتها وتتنفس معاها من جديد. مش عشان الوجع انتهى.. الوجع ما بيموتش لما الحقيقة تظهر، بالعكس، الوجع الحقيقي بيبدأ في اللحظة اللي ما بتقدرش فيها تروح وتكدب على نفسك تاني.
مدحت رفع عينه وبص لها ياسمين.. إنتي مش هتوصلّيها لكده بجد، مش هتعملي فيا كده.
الجملة ما كانتش سؤال.. كانت أمر، بس متنكر في شكل ذهول وصدمة.
ياسمين مدت إيدها في الشنطة، طلعت المفاتيح القديمة، وحطتها على السفرة جمب الدوسيه. رنة المعدن على الخشب طلعت صوت صغير، حاد، وقاطع
أنا عملت خلاص.. الموضوع خلص.
طنط صفية ساندت إيدها على حلق الباب، ولأول مرة ما كانش باين عليها الغيظ، كان باين عليها إن طولها اتهد
مدحت.. اتكلم يا ابني، قولها ما ينفعش تطردنا في الشارع.
بس مدحت ما كانش بيرد عليها أصلاً. كان باصص لياسمين وكأنه أول مرة يستوعب إن الست اللي هو حدفها برا باب الشقة امبارح، مش هي هي الست اللي واقفة قدامه دلوقتي وراجعة تاخد حقها.
أمين الشرطة كرّر
كلامه لمدحت تاني وبحزم يا أستاذ، وسع
تم نسخ الرابط