حسابات السنين
هنا حصلت سكتة طويلة مرعبة. ضوافري غرزت في كف إيدي من كتر الصدمة. كنت عايزة أطلع وأصرخ وأقلب الترابيزة في وشه، بس فضلت مكان مكتومة الأنفاس. وائل وطى صوته وقال بنبرة خبيثة ومفهاش أي رحمة: "ما تصعبش الأمور يا حاج. أنت راجل عاقل وعارف كويس أنا اتجوزتها ليه من الأول". جدي سأل بهدوء قاتل: "قولي، اتجوزتها ليه؟"
وائل تنهد كأنه بيتكلم عن صفقة تجارية: "عشان كانت الحفيدة الوحيدة، وكان واضح إن الشقة الكبيرة دي وكل أملاكك هتنقل لها في الآخر. واحدة ست وحيدة، مكسورة من الحزن بعد موت أمها، وجدها غني ومعندهاش أب حواليها يدافع عنها... مش صعب أبداً تسيطر عليها وتوجهها زي ما أنت عايز، بس الموضوع كان محتاج راجل عنده صبر وطول بال... وأنا كان عندي الصبر ده".
البراد بدأ يغلي وصوت الصفارة زاد، وأنا دموعي كانت بتنزل من غير صوت في الضلمة. وائل كمل وهو بيضحك بثقة: "اتناشر سنة يا حاج من عزومات وزيارات ومجاملات وضحك على وشي. أنا تعبت وكسبت
في اللحظة دي، سمعت صوت تكة صغيرة قريبة مني تحت الترابيزة، صوت زرار جهاز تسجيل قديم كان جدي حاطه على الرف الصغير اللي تحت خشب الترابيزة. جدي قال بوجه جامد: "خلاص يا وائل، هات الفايل والورق عشان أمضي".
وائل مشي وخطواته قربت ودخل المطبخ. وقف على بعد خطوات قليلة جداً من وشي لدرجة إني كنت شايفه جزمتة البني. شوفت طرف الفايل، وكلمة "عقد بيع وتنازل نهائي" مكتوبة عليه بخط كبير. وائل حط الورق على الترابيزة
هنا جدي عبد الحميد بصلة بكل برود، وسحب جهاز التسجيل الصغير من تحت الترابيزة، وضغط على زرار الإيقاف، وبص لوائل وقال له بمنتهى الهدوء: "قبل ما أمضي على أي حاجة يا وائل، في شخص كمان كان محتاج يسمع الكلمتين اللي أنت لسه قايلهم حالا دول... عشان يعرف حقيقتك".
جدي بص تحت الترابيزة وقال: "اطلعي يا سهام".
أنا طلعت من تحت الترابيزة ووقفت بطولي. أول ما عيني جت في عين وائل، الضحكة الثابتة اللي كانت على وشه اختفت تماماً، ووشه بقى أصفر زي الليمونة، وجسمه بدأ يترعش. الصدمة شلت حركته لما شافني واقفة قدامه وشايفة وعارفة كل حاجة، والدموع مغرقة وشي بس عينيا فيها غضب يهد جبال.
وائل حاول يتكلم ويلعثم: "سهام... أنتِ... أنتِ هنا؟ الموضوع مش زي ما أنتِ فاهمة... أنا كنت بجاري جدك بس عشان..."
قاطعته وأنا بمسح دموعي وبقول له بصوت قوي ومسمعش منه أي عذر: "أنا سمعت كل كلمة يا وائل.
جدي عبد الحميد وقف ومد إيده أخد جهاز التسجيل وحطه في جيبه وقال لوائل وهو بيشاور على الباب: "عقد البيع ده هتاخده معاك وأنت خارج، والتسجيل ده هيطلع لحامي أسرتنا ومحامي العمارة، وقبل كل ده، ورقة طلاق سهام هتوصلك لحد عندك من غير ما تطالب بمليم واحد من حقوقها اللي كنت فاكر إنك هتسرقها. اطلع برة بيتي، وبرة حياتنا".
وائل بص حواليه وحس إنه اتخنق تماماً واتزنق في خانة اليك ومبقاش معاه أي كارت يلعب بيه. أخد الفايل بتاعه في إيده وهو بيترعش، وخرج من باب الشقة وهو مش قادر يبص في وشنا، وقفل الباب وراه. أنا رميت نفسي في حضن جدي عبد الحميد وبكيت، بس المرة دي مكنش بكاء ضعف، كان بكاء راحة لأني عرفت الحقيقة قبل ما يفوت الأوان، وعرفت إن جدي بحكمته وحبه حماني وأنقذ مستقبلي في اللحظة الأخيرة.