حسابات السنين
جوزي اللي بحبه دخل يبتسم لجدّي، وهو ما يعرفش إن جدي كان خلاص غصب عليا أستخبى تحت ترابيزة المطبخ. فضلت قاعدة في الضلمة وسمعته وهو بيعترف بالسبب اللي خلاه يتجوزني من 12 سنة وهو بيطالب بعقد الملكية... الحقيقة دي دمرت جوازي في دقائق، بس حركة جدي الأخيرة كانت خلاص هتزنقه في خانة اليك وتجيبه الأرض.
اليوم اللي جدي عبد الحميد خلاني أستخبى فيه تحت ترابيزة المطبخ، افتكرت إن السن غيره وخلاه يشك في الناس من غير سبب. الشقة كانت ريحتها قهوة، ولبان نعناع، وفطير بالقرفة اللي كان دايماً بيشيله للضيوف. نور بعد الظهر كان منور الصالة ومبين الخرابيش اللي على الترابيزة الماهوجني القديمة. البراد كان بيغلي على البوتاجاز وبيطلع صوت صفارة هادي. ركبي كانت مضمومة عند صدري، والبلاط الساقع تحت إيدي كان مخليني مش مصدقة إن ده بيحصل، وحاسة إن في حاجة غلط بس مش عارفاها.
كان عندي أربعين سنة، ومتجوزة بقالي اتناشر سنة. ولأول مرة في حياتي كلها، أكتر راجل كنت بحس معاه بالأمان، جدي عبد الحميد، كان باين في عينيه الخوف من جوزي وائل. جدي كان عنده أربعة وسبعين سنة، بس صحته وعقله كانوا كويسين جداً، كان لسه فاكر كل تفاصيل حياتنا، وفاكر سعر اللبن زمان، وفاكر كام مرة وائل جه فيها "يطمن عليه" لما
بعدها بثلاث دقائق، جرس الباب رن، وبعدين سمعت صوت المفتاح وهو بيلف في القفل. وائل كان معاه نسخة من المفتاح. دخل وقال بصوته الناعم الدافئ: "عبد الحميد بيه، مساء الخير". ده نفس الصوت اللي طلبني فيه للجواز، ونفس الصوت اللي كان دايماً يصحح لي كلامي قدام الناس بطريقة هادية ومحدش بياخد باله منها غيري. كمل وقال: "جبت لك فطير القرفة اللي بتحبه". جدي رد عليه عادي جداً وكأن مفيش حاجة: "كتر خيرك يا وائل. اتفضل ادخل. هعمل قهوة".
أنا تحت الترابيزة كنت متخيلة شكل وائل بجاكت الجلد البني بتاعه، وشعره المظبوط، وضحكته السهلة اللي بتخلي أي حد غريب يثق فيه بسرعة. وأنا نفسي وثقت فيه سنين طويلة. قابلته في حفلة رأس السنة في وسط البلد لما كان عندي تمانية وعشرين سنة وكنت لسه مكسورة ومتأثرة بموت أمي. كان بيسمعني كأنه مهتم بكل تفصيلة في حياتي، وبعد أربع شهور بقينا مع بعض، وبعدها بسنتين جدي عبد الحميد
من تحت الترابيزة، سمعت خطوات جدي وهو بيعدي من باب المطبخ، ووطى راسه بسرعة وهمس لي: "مش عارف إنك هنا. خليكي مكانك". بعد كده ملا البراد وولع النار. لكام دقيقة، وائل اتكلم بأسلوبه اللطيف المعتاد، سأل عن ضغط دم جدي، وعن الأسانسير البايظ في العمارة، وكان صوته باين فيه الاهتمام الشديد. وفجأة، طريقته اتغيرت ونبرة صوته بقت جافة ومستعجلة.
قال لوائل: "عارف يا حاج عبد الحميد، أنا قلقان عليك وأنت عايش هنا لوحدك". جدي رد: "أنا عايش هنا من سنة 1984 يا وائل". وائل قال له: "هو ده بالظبط الكلام. الموضوع تقيل عليك. شقة كبيرة في موقع زي ده، وعمارة قديمة، ومصاريف صيانة غالية. وأنت كمان بتكبر في السن". جدي رد باختصار: "محدش بيصغر". وائل ضحك ضحكة صغيرة من غير نفس وقال: "بتكلم بجد. سهام مش بتفهم في الحاجات دي، بتفكر بعاطفتها دايماً وأنا بحاول أفكر بوضوح لمصلحتنا".
أنا جسمي كله كش وأنا سامعة
المطبخ حسيت إنه بيضيق عليا والشرخ بدأ يوسع في قلبي. الشقة دي عمرها ما كانت بالنسبالي مجرد عقار أو فلوس، دي المكان اللي ذكرياتي كلها فيه مع جدتي وأمي وجدي، دي الحتة اللي لسه ريحتهم فيها. وائل كمل كلامه وقال: "مسودة التنازل والبيع اللي بعتهالك لسه ما اتمضتش. أنا شوفت وصل الاستلام المسجل الصبح وعرفت إنها وصلتلك. وكمان كلمت إدارة العمارة وخلصت ورق التصرف. يا حاج، مش هنفضل نأجل في الموضوع، لازم تمضي".
ورق وتنازل وإدارة عمارة وملاحقة! مش سؤال واطمئنان من جوز حفيدته. جدي سأل ببرود: "إحنا مين اللي مش هنأجل؟" وائل قال: "أنا باخد بالي من سهام وبحمي مصالحها ومستقبلها". جدي واجهه وقال له: "ومن إمتى مصالحها دي بقت بتنتهي بأن الورق يتنقل باسمك أنت