غدر الجيران - حكايات شروق خالد

لمحة نيوز

​يوم المحاكمة، عفاف دخلت القاعة كأنها ملكة، لابسة طقم أسود شيك ونضارة شمس، وماسكة شنطة ماركة. كانت بتبص لي بمنتهى التعالي وكأنها بتقول وريني هتعمل إيه يا غلبان.

​المحامي بتاعها بدأ يتكلم عن رعونة الأم وإهمالها، وإن عفاف كانت بتحاول تطبق القانون. ساعتها فريد قام ووقف بمنتهى الهدوء: "سيادة القاضي، معانا دليل مادي، تسجيل صوتي للجريمة من لحظة بدايتها لحد نهايتها."

​لما الصوت اشتغل في القاعة.. صوت عفاف وهي بتهدد بالقتل.. القاعة كلها اتجمت. عفاف نضارتها وقعت من إيدها، وبدأت تترعش. القاضي طلب إعادة المقطع تلات مرات.

النهاية المستحقة

​القاضي مخدتوش أي رحمة بيها. حكم عليها ب ١٥ سنة سجن مشدد بتهمة الشروع في القتل مع سبق الإصرار، والتسبب في إجهاض عمدي، وإتلاف أدلة جنائية.

​مش بس كده، المحكمة حكمت بتعويض مادي ضخم جداً ٥ مليون جنيه تعويض

عن الأضرار النفسية والجسدية وفقدان الجنين. عشان عفاف تدفع المبلغ ده، البنك حجز على فيلتها في الكومباوند، وعلى كل حساباتها، وخرجت من المحكمة بـ الكلبشات وهي بتصرخ وتلطم بعد ما خسرت كل حاجة.. بيتها، وفلوسها، وبرستيجها، وحريتها.

​إيمان فاقت بعد شهرين، ولما عرفت اللي حصل، بكت كتير على آدم، بس عزاءها الوحيد إن الست دي مش هتاذي حد تاني.

​دلوقتي، إحنا نقلنا من الكومباوند ده خالص. بنبني حياتنا من جديد في مكان فيه ناس طبيعيين، وليلى بدأت تتعافى وترجع تضحك. وعرفت إن الحق ممكن يرجع بأبسط الأشياء.. حتى لو بلعبة أطفال صغيرة.

​بعد الحكم، الدنيا مهدت بجد، بس حكايتنا مخلصتش عند باب المحكمة.

عفاف في السجن كانت لسه بتحاول تلعب ألعابها، بعتت لنا ناس وسطاء يعرضوا علينا يضاعفوا مبلغ التعويض مقابل إننا نتنازل عن شق الجنايات عشان تخرج بعفو أو تخفيف.

ردي كان واحد وقاطع: دم ابني اللي منزلش الأرض ميتشراش بفلوس الدنيا، والكسرة اللي في عين مراتي تمنها عمر عفاف كله ورا القضبان.

​إيمان بدأت مرحلة العلاج الطبيعي. كانت رحلة صعبة وموجعة، شهور وهي بتحاول تقف على رجلها تاني. وفي كل خطوة كانت بتخطيها، كنت بشوف في عينيها إصرار غريب. مكنتش بتحارب عشان تمشي بس، كانت بتحارب عشان ترجع أم قوية لليلى اللي كانت لسه بتخاف من أي صوت عالي أو خبطة باب.

​الفيلا بتاعة عفاف اتباعت في المزاد العلني عشان تسديد التعويض والمصاريف. والمفارقة إن اللي اشتراها كان دكتور محترم، أول حاجة عملها إنه شال اتحاد الملاك القديم كله، وعمل مكان الزحليقة اللي كانت سبب الكارثة، منطقة ألعاب كاملة لكل أطفال الكومباوند، وسماها حديقة آدم على اسم ابنا اللي مِحقناش نشوفه.

​يوم افتتاح الحديقة، الدكتور عزمني أنا وإيمان وليلى. إيمان

كانت واقفة بتمشي ببطء بس من غير عكاز، وبصت للبطة الرخام اللي محفور عليها اسم آدم وابتسمت بدموع وقالت: "شوفت يا داوود؟ عفاف كانت عايزة تشيل زحليقة، ربنا خلا مكانها جنة للأطفال كلهم."

​ليلى جريت ولعبت مع الأطفال، ولأول مرة من يوم الحادثة، سمعت ضحكتها الرنانة اللي كانت غايبة. في اللحظة دي، حسيت إن الغمة انزاحت بجد.

​عفاف دلوقتي بتقضي أيامها في زنزانة ضيقة، هي اللي فيها الرئيسة وهي المرؤوسة، معندهاش غير أربع حيطان تراجع فيهم شريط حياتها وتعرف إن الظلم آخره وحش، وإن المنصب والفلوس مبيحموش حد من دعوة مظلوم.

​إيمان لفت وشها ليا وقالت: "عارف يا داوود.. أنا مش زعلانة على اللي ضاع، أنا فرحانة باللي جاي. إحنا بدأنا من جديد، وأنضف، وأقوى."

​خدت إيدها وإيد ليلى، ومشينا وإحنا مش بنبص ورا مكاننا.. بنبص لقدام، لمستقبل مفيش فيه عفاف، مستقبل مفيهوش

غير الحب والرضا.

تمت الحكاية

تم نسخ الرابط