عسل مسموم

لمحة نيوز

​استغفلت شيرين، ونزلت لمخزن الجنينة، وخدت مقص شجر كبير قصافة حديد. خبتها تحت المريلة، وطلعت اتسحبت لأوضة ياسين وقفت بالمفتاح من جوه.

​عمر سمع صوت الترباس وجرى على الأوضة.

زينب! افتحي الباب! بتعملي إيه؟

​ومن وراه شيرين بدأت تصرخ بهستيريا.

الحق يا عمر! الولية الصعيدية اتجننت! هتقتل ابنك! اكسر الباب بسرعة!

​جوه الأوضة، زينب خدت نفس عميق. ياسين بص لها، ولأول مرة من أيام، لمعت في عينيه نظرة أمل.

استرجل يا بطل همست له وهي بتعيط هخرج لك الشيطان اللي بياكلك ده.

​حطت نصل المقص عند طرف الجبس وضغطت بكل قوتها.

طاااااخ!

​صوت طرقعة الجبس وهو بيتشق كان أعلى من صوت الرعد بره. وأول ما الجبس انفتح، هجمت ريحة نفاذة خنقت المكان. ريحة لحم ميت، وسكر متخمر، وعفانة.. ريحة تخلي الواحد يرجّع مكانه.

​عمر كسر الباب بكتفه ودخل وهو ناوي يضرب زينب، بس اتسمّر في مكانه. الصدمة اللي شافها وشمها كانت زي المرزبة على دماغه.

​الجبس كان مفتوح نصين. تحت الجبس، مكنش

فيه جلد ملتهب.. كان فيه كتلة سودة لزجة غرقانة دم، متغطية بطبقة تقيلة من العسل المتجمد. مئات من النمل الأحمر واليرقات البيضاء كانت بتتحرك بجنون، بتاكل في لحم الولد وهو حي، وعاملة خنادق تحت جلده المصاب والملتهب.

​ياسين مكنش مجنون.. ياسين كان بيتاكل حي جوه سجن أبيض لمدة 4 أيام.

​عمر وقع على ركبه، وطلع صرخة هزت أركان البيت كله.

لأ.. يا رب لأ! ابني.. سامحني يا حبيبي! كان بيعيط وهو بيزحف لسرير ابنه.

​زينب، وهي بتترعش من الغل والوجع، حدفت حتة من الجبس الغرقان دم في وش عمر.

بص يا بيه! بص على عمايل إيدك! ده اللي كان مجننه! وإنت ربطته عشان يتعذب أكتر، وكنت عاوز ترميه في العباسية!

​من غير ما يضيع ثانية، عمر شال ابنه وجرى بيه على حمام الضيوف. حطه تحت الدش بهدومه، وفتح المية الساقعة عشان يغسل الجروح وهو بيصرخ وبيردد سامحني يا ابني.. أنا حمار.. سامحني.

​شيرين، وشها بقى زي الورقة وبدأت تتسحب عشان تهرب، بس زينب لحقتها وجابتها من شعرها بقوة غاشمة وجرجرتها لحد

الحمام.

افتح درج المطبخ يا سي عمر! زعقت زينب هتلاقي السرنجة اللي العقربة دي حقنت بيها العسل والسكر تحت جبس ابنك!

​السكوت اللي جه بعد كده مكنش بيقطعه غير صوت المية وصوت شهقات ياسين. عمر رفع راسه، وعينيه اللي كان فيها تعب، بقى فيها شرار وغضب يقتل.

عمر.. والله العظيم مش زي ما إنت فاهم شيرين بدأت تتعتع وهي بترفع إيديها ده كان وصفة بلدي.. جدتي قالت لي العسل بيلم الجرح..

حقنتي عسل تحت جبس مقفول يا شيطانة! زأر عمر وهو بيقوم من الأرض.

​القناع بتاع شيرين وقع تماماً. لما لقت إنها اتحاصرت، وشها الجميل اتحول لمسخ من كتر الغل.

الواد ده كان بيكرهني! صرخت وهي فاقدة أعصابها من ساعة ما دخلت البيت وهو بيبص لي كأني غريبة! كنت عاوزة أدبه شوية عشان يبطل مناهدة فيا، وعشان تنسى المرحومة مراتك الأولى!

​عمر ممدش إيده عليها؛ كان عارف إن ده هيضيع حقه القانوني. بدل ده، طلع تليفونه وكلم النجدة.

​في الليلة دي، البيت اتقلب. عربيتين إسعاف و بوكسات شرطة. المسعفين

أنقذوا ياسين، وأكدوا إن الميكروب وصل لعضلات الدراع. لو كانوا استنوا 12 ساعة كمان، كان جاله تسمم دم غرغرينا ومات، أو كان دراعه اتقطع فعلاً.

​شيرين خرجت من البيت بالملاية والكلبشات في إيدها، وهي بتشتم والناس بتصورها بالموبايلات. المعاينة والسرنجة وشهادة زينب وحالة الجبس كانت كافية إن وكيل النيابة يأمر بحبسها بتهمة شروع في قتل وتعدي بالتعذيب على طفل.

​عدى 8 شهور. ياسين عمل 4 عمليات تجميل وترقيع جلد صعبة، ودراعه خف. عمر، ومن كتر ذنبه، باع الفيلا اللي شهدت على العذاب ده، واشترى بيت هادي في الشيخ زايد عشان يبدأوا صفحة جديدة. الست زينب مابقتش خدامة، دي بقت هي ست البيت، وقاعدة في أحسن أوضة، وبتتعامل كأنها الأم الحقيقية.

​في يوم، والشمس بتغيب، ياسين قرب من زينب اللي بقى كله ندبات، بس بقى رمز إنه بطل.

إنتي الوحيدة اللي صدقتيني يا دادة همست الولد.

​زينب باست دماغه وبصت لعمر، اللي كان واقف بيبص عليهم وعينيه مليانة دموع شكر.

أوقات يا ابني ردت زينب بصوت حنين

العدل مبيجيش غير لما حد فينا يسترجل ويسمع الصرخة اللي الناس كلها اختارت تعمل نفسها مش سامعاها.

تم نسخ الرابط