عسل مسموم

لمحة نيوز

لو مسكتش دلوقتي حالًا، قسماً بالله أول ما الصبح يطلع هكون ماضي على ورق دخولك المصحة النفسية!

​كلمات عمر نزلت زي السكاكين، كان صوته خشن وطالع من قاع التعب؛ بقاله 4 ليالي من غير ما يغمض له جفن. كان واقف على باب أوضة ابنه، شايف الطفل اللي عنده 10 سنين وهو بيخبط الجبس اللي في دراعه اليمين بكل قوته في خشب السرير الأويما. صوت الخبط المكتوم كان مسمع في ممرات الفيلا الكبيرة في التجمع الخامس زي طبول الحرب. وش ياسين كان غرقان عرق ساقع، وعينيه كانت هتخرج من مكانها، وشفايفه مشققة من كتر الصراخ والتوسل.

شيله يا بابا! أبوس إيدك شيله واخلص! كان الولد بيصرخ وهو بيتلوى فوق السرير بيدخلوا جوه! بياكلوا فيا صاحي.. بيعضوني!

​عمر قرب بخطوات تقيلة، مكنش في عينيه رحمة، كان فيها بس غضب أب واصل لمنتهى جنونه. مسك الولد من كتافه وثبته في المرتبة بالعافية.

خلاص يا ياسين! كفاية! هتكسر العضم تاني! زعق فيه وهو نفسه مقطوع.

​الولد مكنش سامعه أصلاً. بإيده الشمال السليمة، كان بيعاول يغرز قلم رصاص بكل غل من فتحة الجبس عشان يهرش، كان بيهرش بعنف يخلي جسم اللي يشوفه يقشعر. الجلد اللي باين من فوق الجبس كان لونه محمر بزيادة، وفيه بقع غامقة وشكله يسد النفس، بس عمر رفض يبص بتركيز؛ كان عقله اتغسل بالسيناريو اللي اتحط في دماغه.

​في اللحظة دي، ظهرت شيرين على الباب. كانت لابسة روب ستان شيك جداً، شعرها متسرح بدقة، وعلى وشها برود مدروس ومتمثل بعناية.

مش قولتلك يا حبيبي؟ همست شيرين وهي مربعة إيديها وبتمثل الشفقة ده مش وجع كسر. ده دلع ومحاولة لفت نظر. من ساعة ما اتجوزنا من 6 شهور وياسين مش سايب وسيلة

إلا وعملها عشان يفرق بيننا. مش طايق يشوفك مهتم بيا.

إنتي ساحرة! إنتي عارفة كويس إنتي عملتي إيه! ياسين صرخ وهو بيشاور عليها بصابعه اللي كان بيترعش.

​شيرين اتنهدت وبصت لجوزها بصه الضحية.

شايف يا عمر؟ بقى بيألف خيالات عشان يتهمني. دي حالة بارانويا حادة. لازم دكتور نفسي فوراً قبل ما يأذي نفسه أو يأذينا.

​عمر فرك وشه بإيده، وهو حاسس بالهزيمة. من ساعة الحادثة اللي حصلت في المدرسة وياسين اتكسر فيها، والبيت بقى جحيم. دكتور العظام كان واضح الجبس ممكن يضايق شوية بس مش كده. لكن ياسين بطل أكل، بقى بيترعش طول الوقت، وبيحلف إن فيه رجلين صغيرة بتمشي تحت جلده بمئات الأرلاف.

​من عتمة الطرقة، كانت الست زينب، الدادة الصعيدية اللي ربت ياسين من ساعة ما أمه ماتت، واقفة ومخنوقة بالعبرة. كانت حاسة إن فيه حاجة سودة بتحصل. قربت من السرير بحجة إنها بتعدل المخدة، وفي لحظة، شمت ريحة قلبت بطنها. مكنتش ريحة عرق عادية تحت جبس.. كانت ريحة مسكرة، تقيلة، وريحة عفانة.

​بصت زينب بطرف عينيها، وشافت نملة حمراء صغيرة ماشية على الملاية. النملة مكنتش بتدور على أكل في الأرض؛ دي مشيت بخط مستقيم لفتحة الجبس وغطست في الضلمة اللي جوه.

يا سي عمر بيه.. همست زينب ووشها بقى أبيض زي القماش الواد فيه حاجة مش طبيعية جوه الجبس ده.

​عمر ضحك ضحكة ناشفة، ضحكة واحد خلاص عقله بيطير.

تلاقيه مخبي حلويات في السرير عشان يجننا. نضفي المكان ده يا زينب، وماتمشيش ورا أوهامه.

​في ليلة الفجر دي، وبسبب اليأس وكلام مراته المسموم، عمر قلع حزامه الجلد العريض، وربط إيد ابنه السليمة في حديد السرير عشان يمنعه يضرب الجبس تاني.

شيرين كانت واقفة بتراقب من بعيد، وعلى وشها ابتسامة خبيثة مابتظهرش. كل حاجة كانت ماشية حسب خطتها المرعبة، ومحدش كان يتخيل حجم الهلع اللي مستخبي تحت الجبس ده.

​تاني يوم الصبح، السكوت اللي كان مالي أوضة ياسين كان أرعب بكتير من صراخ الليلة اللي قبلها. لما دخلت الست زينب بالطار وحطت الفطار، كان الولد مابقاش فيه حيل يعافر. كان نايم على ضهره، عينيه مسهمة في المروحة اللي في السقف، شفايفه مبيضة وجسمه نار من السخونية. دراعه اللي في الجبس كان مرمي جنبه زي الحتة الميتة، وصوابعه اللي باينة كانت وارمة ولونها أزرق وبترتعش برعشة مش طبيعية.

يا ضنايا.. عملتلك لقمة دافية وبالهنا والشفا همست زينب وهي بتقرب منه بخوف.

​ياسين لفت راسه ببطء، صوته كان طالع زي الحشرجة، مكنش فيه أي طاقة من طاقة طفل عنده 10 سنين.

يا دادة.. روحي المطبخ.. هاتي سكينة اللحمة الكبيرة.. أكبر واحدة.

​زينب حست إن دمها اتجمد في عروقها، وسابت الصينية من إيدها وهي بتترعش.

بتقول إيه يا قلب الدادة؟ بعد الشر عنك يا حبيبي متقولش كده.

​ياسين بص لها بنظرة فيها وعي مرعب، وعي حد استسلم للموت خلاص.

اقطعي لي دراعي يا دادة. أبوس إيدك.. مابقتش عاوزه. والله يا دادة ووحياة ماما ما هصرخ.. بس شيليه من عليا.

​الست العجوزة حطت إيدها على بوقها عشان تكتم صرختها. كانت عارفة ياسين من يوم ما اتولد، واد جدع وبيستحمل الحقنة من غير ما يرمش. مفيش طفل هيطلب يقطع إيده عشان دلع أو غيرة. لو كان عاوز يخسر دراعه عشان يخلص من الجبس، يبقى اللي بيحصل تحت الجبس ده جهنم حقيقية.

​خرجت تجري على الطرقة، قابلت عمر وهو ماسك في إيده 3 ملفات عليها

شعار مستشفى للصحة النفسية في المعادي. وشيرين كانت ماشية وراه بتمسح على ضهره وبتمثل دور الزوجة الصبورة.

يا سي عمر.. لازم تاخد الواد على الطوارئ فوراً! صرخت زينب وهي واقفة في وشهم الواد بيفرفر من السخونية، وريحته بقت ريحة رميم.. ريحة عفانة! الكلام ده مش في دماغه يا بيه!

يا زينب متدخليش رد عمر بصوت مكسور ومطفي الولد كان هيفتح دماغه في الحيطة امبارح. شيرين عندها حق، الولد بيجيله تهيؤات.

مش تهيؤات! زعقت الدادة وهي بتفقد أعصابها لأول مرة من 12 سنة خدمة أنا شوفت نمل ماشي جوه دراعه!

​شيرين نفخت بضيق وبصت لعمر بزهق.

يا ساتر يا رب على الجهل! نملة هتعمل كل ده؟ وبعدين يا عمر، لو روحنا المستشفى وشافوا إنك كنت رابطه امبارح، هيعملولك محضر تعدي على طفل وقضية خط لجدة. عايز شركتك وسمعتك تضيع في الأرض؟

​عمر وطى راسه، الخوف شل تفكيره. شيرين كانت أستاذة في غسيل المخ، كانت عارفة إزاي تدوس على نقط ضعفه وتخوفه على مستقبله.

​لكن في اللحظة دي، عقل الست زينب بدأ يجمع قطع اللغز. افتكرت إن من 4 أيام، لما عمر سافر إسكندرية شغل، شيرين منعتها تماماً تدخل تنضف أوضة ياسين بحجة إنه معاقب. وفي نفس اليوم، زينب شافت في الحوض سرنجة كبيرة، من اللي بيتحقن بيها الديك الرومي، كانت محطوطة ومغسولة كروكي. وجنبها برطمان عسل نحل فاضي تماماً وسكر مرشوش على الرخامة. وقتها افتكرت إن شيرين بتعمل حلويات، لكن دلوقتي، الريحة المسكرة والنتنة اللي في أوضة ياسين بقى ليها معنى مرعب ومفهوم.

​على أذان المغرب، قامت عاصفة رعدية ومطرة شديدة. حالة ياسين اتدهورت تماماً، بدأ يجيله تشنجات ويعض على سنانه لدرجة إن

لثته جابت دم. مكنش بيعيط، كان بيطلع أنين يقطع القلب. زينب عرفت إن مفيش وقت، لو استنت عمر يفوق، الولد مش هيطلع عليه صبح.

تم نسخ الرابط