والدة زوجتي السابقة نظرت إلى عيني

لمحة نيوز

تبتلعني، لكنها لم تبدُ منزعجة ولا محرجة، بل نظرت إليّ بنظرةٍ هادئة وكأنها تفهم كل شيء. ثم ابتسمت، وضعت كوب الشاي على الطاولة، وسارت نحو النافذة، نظرت إليّ في عينيّ وابتسمت بهدوء وهمست هل تريد أن تنظر؟، ثم رفعت يدها ببطء وأغلقت الستائر تدريجيًا.
بقيت واقفًا في الشرفة خمس دقائق كاملة دون أن أتحرك، كان عقلي يكرر تلك الكلمات الثلاث مرارًا وتكرارًا هل تريد أن تنظر؟. لم تبدُ كاتهام ولا كغضب، بدت وكأنها سؤال حقيقي، وهذا هو ما جعل الأمر يربكني تمامًا. خلال بقية ذلك اليوم، لم أستطع أن أركّز على أي شيء، كانت خطوط المخططات أمامي في المكتب تختلط ببعضها، لم تكن هناك سوى تلك الجملة تتكرر في رأسي. حاولت أن أقنع نفسي بأن الأمر لا يعني شيئًا، ربما كانت ليتيسيا تتحدث بسخرية، أو ربما شعرت بعدم الارتياح، لكنها لم تُظهر أي انزعاج، كانت هادئة وكأنها فضولية قليلًا.
في تلك الليلة عُدت إلى شقتي أبكر من المعتاد، وضعت حقيبتي وللحظة فكّرت في الخروج
إلى الشرفة، لكني توقّفت، شعرت بأن الأمر سخيف، رجل في الخامسة والثلاثين يتصرف كمراهق مرتبك. قرابة الساعة التاسعة سمعت طرقة خفيفة على الجدار الذي يفصل بين الشقتين، توجّهت نحو الباب، فتحته، وكانت هي هناك؛ ليتيسيا، تقف أمامي بسترة خفيفة رمادية وبنطال جينز، وفي يديها صينية عليها فنجانا شاي، قالت ببساطة ظننت أنك ربما ترغب في واحد. دخلت إلى الشقة بهدوء ونظرت إلى الصناديق وقالت يبدو أنك ما زلت ترتب أمورك، جلسا على الأريكة، ولم يكن الصمت مزعجًا، أخيرًا تحدثت ليتيسيا هذا الصباح أخفتك قليلًا أليس كذلك؟، أطلقتُ ضحكة عصبية قليلًا، فنظرت إليّ بانتباه وقالت لم أكن غاضبة، لقد بدا لي الأمر مثيرًا للفضول، فالطريقة التي كنت تنظر بها إليّ لم تكن كطريقة شخص يريد انتهاك الخصوصية، بل بدا الأمر وكأنك تتذكر معنى الطمأنينة.
فاجأتني تلك الجملة لأنها كانت تصف شعوري بالضبط، خفضتُ نظري إلى فنجاني وقلت حياتي كانت فوضى في الفترة الأخيرة. كانت ليتيسيا
تعلم ذلك، فقد رأت زواج ابنتها يتدهور لسنوات، وكانت ترى في عينيّ التعب الذي لا يراه الآخرون، قالت بهدوء أحيانًا عندما تنكسر الحياة كل ما نحتاجه هو الصمت. كان في تلك اللحظة صدق غريب بلا أحكام، ثم تابعت هذا الصباح سألتك إن كنت تريد أن تنظر، ابتلعتُ ريقي، فابتسمت ابتسامة خفيفة ونهضت، سارت ببطء نحو شرفتي وكأنها تعرف الطريق، فتحت الباب الزجاجي ودخل هواء الليل البارد وقالت تعال.
اقتربتُ، ومن هناك كان يمكن رؤية أضواء المدينة تمتد حتى الأفق مثل نهرٍ من النجوم، سألتني ليتيسيا هل تعرف لماذا أترك ستائري مفتوحة كل صباح؟ لأنني عشت سنوات طويلة أخاف مما قد يظنه الآخرون، حتى جاء يوم فهمت فيه أن الناس سوف ينظرون دائمًا، لكن النظر لا يعني دائمًا التعدي، أحيانًا يعني فقط أن شخصًا ما يحتاج إلى أن يتذكر أن الجمال ما زال موجودًا في هذا العالم. شعر شيء في صدري يرتخي، وأسندت ليتيسيا مرفقيها على الحاجز وتابعت كنت تنظر كمن ظل يشعر بالوحدة وقتًا
طويلًا، عاد الصمت بيننا لكنه كان دافئًا، وأخيرًا قلت أظن أنك على حق، فابتسمت وقالت ولهذا سألتك إن كنت تريد أن تنظر.. أن تتذكر أن العالم ما يزال واسعًا حتى عندما ينتهي جزء من حياتك.
تنفّستُ بعمق، وللمرة الأولى منذ أشهر لم أشعر بذلك الثقل الدائم في صدري، شعر كأن نافذة صغيرة انفتحت داخلي لتسمح للهواء بالدخول. لم أكن أعرف ماذا سيكون مصير حياتي، لكن في تلك اللحظة فهمت أن الراحة لا تأتي دائمًا من قرارات مصيرية، أحيانًا تأتي من لحظة هادئة ومن شخص يذكّرك بأن الحياة لم تنتهِ بعد. وقفنا معًا ننظر إلى آلاف النوافذ المضيئة، وفكرت أن كل إنسان يحمل همومه الخاصة، ومع ذلك تستمر الحياة، وتستمر الشمس بالشروق. شعرتُ بالامتنان لأن الحياة ما زالت تمنح فرصًا صغيرة لنبدأ من جديد، بداية هادئة مثل هذه اللحظة. وفي تلك الليلة، بينما كانت أضواء مدينة مكسيكو تتلألأ في البعيد، شعرتُ بأن قلبي أخف، وبأن العالم ما زال يتسع للأمل، وشعرتُ أخيرًا بسلام.

تم نسخ الرابط