ما لم يحسبه "ياسين"

لمحة نيوز

لأول مرة في حياته.
هتدور عليها وتجيبها مراد أمره.
إيه؟
هتدور عليها وتعتذر لها، وبعدها هتغور من البيت ده للمدة اللي أنا أحددها.
متقدرش تعمل فيا كده.
مراد عدل وقفته وبصله ببرود
أقدر أعمل أكتر من كده بكتير، متجربنيش.
مراد نزل أوضة أمه، لقاها قاعدة جنب الشباك وبتحرك إيديها كأنها بتخيط من غير إبرة، زي ما بتعمل لما تكون قلقانة.
جيت يا حبيبي قالت بابتسامة تعبانة.
مراد قعد جنبها 
دايماً هاجي.
بصتله بذنب
مكنتش عايزة أشغلك.
تشغليني لو سكتي رد عليها ده اللي مكنتش هسامحك عليه أبداً.
الست نعمات اتنهدت
البنت اسمها بدرية، لسه عيلة يا مراد. متبقاش هي اللي تدفع تمن إنها عملت الصح.
مراد هز راسه
متخافيش.
في الوقت ده، بدرية كانت بقالها يومين في الشارع.
نامت ليلة على رصيف قدام جامع، وليلة في المحطة وهي حاضنة شنطتها عشان متتسرقش. سألت في مطاعم وبيوت ومغاسل، والرد كان واحد لسه صغيرة، معكيش ورق، فوتي علينا بعدين.
في اليوم التالت، وهي ماشية في الشارع وجعانة، عربية سودة فخمة وقفت جنبها. راجل لابس بدلة نزل وقرب منها باحترام
أنتي بدرية؟
رجعت لورا بخوف
أيوة..
مراد بيه السيوفي عايز يقابلك.
الرعب رجعلها تاني
أنا
معملتش حاجة والله.
إحنا عارفين الراجل رد عشان كده بندور عليكي.
بدرية كانت عايزة تجري، بس نظرة الراجل اللي مفيهاش احتقار خلتها تستسلم.
المشوار كان قصير، ولما العربية دخلت من بوابة الفيلا، قلبها وقع في رجليها.
لأ.. مش قادرة أرجع هنا.
محدش هيلمسك.
دخلت وهي مستنية تريقة أو عقاب، بس لقت حاجة تانية خالص. الخدم بيبصوا لها براحة واحترام، حتى الطباخة كأنها بتدعي لها وهي معدية.
دخلوها الصالون الكبير، وهناك كان قاعد مراد السيوفي.
بدرية وقفت، مكنتش شافته قبل كده قريب. راجل طويل، هيبته تملا المكان، بس عينه مفيهاش كبر.
أنتي بدرية؟
أيوة يا بيه.
أمي حكتلي عليكي.
وطت راسها
أنا عملت اللي أي حد كان هيعمله.
مراد هز راسه ببطء
لأ، قليلين اللي بيعملوا كده.
شاور للمساعد بتاعه، سلمها ظرف
ده مرتبك كامل، والمتأخرات، وتعويض عن اللي حصلك.
بدرية فتحت عينيها من الصدمة
أنا مكنتش مستنية..
ومش بس كده كمل كلامه لو موافقة، عايز أعرض عليكي تشتغلي تاني، بس بشروط تانية.
استغربت وقالت
إزاي؟
بعقد، وأوضة آدمية، وتكملي تعليمك في مدرسة مسائية لو عايزة. وفيه قانون في البيت ده محدش هيتجرأ يقلل من احترامك أبداً.
بدرية حست بحاجة
بتتكسر جواها، بس المرة دي مكنش خوف، كان حمل التقُل اللي شالته لوحدها من ساعة ما سابت بلدها.
ليه بتعمل معايا كده؟
مراد مردش علطول، بص ناحية الباب، لقى أمه واقفة وساندة على عصايتها وبتبتسم وعينيها مدمعة.
عشان أمي حست إن فيه حد بيحميها بجد بسببك قالها وعشان الناس الجدعة مينفعش يتشردوا عشان عملوا الصح.
بدرية مقدرتش تمسك دموعها. والست نعمات قربت منها وحضنتها
تعالي في حضني يا بنتي.
البنت بكت في حضن الست الكبيرة، ولأول مرة تحس بأمان من ساعة ما جت القاهرة.
من بعيد، ياسين كان واقف وشايف المشهد، كبريائه كان متدمر ووشه فيه حاجة جديدة عليه الكسوف من نفسه.
مراد لف له
عندك حاجة عايز تقولها.
ياسين خد نفس عميق، كان أصعب من أي خناقة دخلها في حياته
سامحيني يا بدرية.
بدرية بصتله كتير. مشفتش فيه طيبة فجأة، بس شافت راجل لأول مرة يواجه نفسه في المراية ويحس بالخزي.
متقولهاش ليا لوحدي قالت بصوت واطي بس قوي قولها للست نعمات، ولكل واحد قللت من كرامته هنا.
الكل سكت.
مراد ابتسم نص ابتسامة.
ياسين وطى راسه قدام عمته
حقك عليا يا عمتي.
مبقتش معجزة، والناس اللي زي ياسين مبيتغيروش في دقيقة، بس ده كان أول قلم حقيقي
ياخده في حياته، مش من إيد مراد، بل من إحساسه بالخجل.
الشهور عدت، وبيت السيوفي اتغير.
الرخام والتابلوهات الغالية لسه موجودة، بس الخوف مشي. مراد مشى المديرة الظالمة، وظبط عقود الكل، وعمل برنامج منح لولاد الخدم. والست نعمات بقت تنزل الجنينة وتتمشى وهي رافعة راسها، مش كأنها بتستأذن عشان تعيش.
بدرية كملت تعليمها وبقت شاطرة جداً في الحسابات، ومع الوقت قلعت مريلة الشغل وبقت تساعد في مكتب الجمعية الخيرية بتاعة العيلة. بقت بتتعلم بسرعة وتضحك من قلبها.
أحياناً لما تقابل مراد في الطرقة، كان بيسألها عن دراستها
عاملة إيه في الرياضة؟
أحسن من حضرتك في طول البال يا بيه قالتها وهي بتهزر.
وهو ضحك ضحكة صافية خلت الكل يستغرب.
الست نعمات كانت دايماً تقول إن البيت ده اتكتب له عمر جديد يوم ما بنت رفيعة بشنطة قديمة وقفت وقالت لأ.
عشان فيه أفعال بتبان صغيرة، كلمة أو حركة أو لأ في وقتها. بس ساعات ده بيكون كفاية عشان يكسر سلاسل سنين.
وفي عالم فيه ناس كتير بتوطي راسها عشان تمشي جنب الحيط، كان لازم بنت ملهاش ظهر ولا واسطة تفكر الكل بأهم حاجة
إن القوة الحقيقية مش إنك تخوف الناس، القوة إنك تمنع الخوف إنه يكسر غيرك.

كل حاجة بدأت لما بدرية، بنت الغلابة، وقفت وقالت بقلب ميت
إياك تلمسها.
تمت

تم نسخ الرابط