مفيش مربية قدرت تستحملها إلا لما جت عيشة

لمحة نيوز

ماكنتش بتزعق وأبوها بيكلمها، ولا كانت بتتحداه بوضوح؛ الموضوع كان أسوأ من كده، كانت بتوافقه وتسمع الكلام، وبعدين تكمل في طريقها زي ما هي.
عشان اللي ماهر ماكنش لسه فاهمه، واللي نور نفسها ماكنتش فاهماه وهي عندها 10 سنين، إنها ماكنتش بتمشي المربيات بدافع الشر، هي كانت بتمشيهم عشان كانت خايفة.
خوف كبير أوي ومسيطر عليها، خوف أكبر منها. لأنها تسمح لست تانية تدخل البيت، وتخلي بالها منها، وتضحك لأبوها، وتملا المكان اللي أمها سابته فاضي، وتلمس العفش اللي أمها كانت بتلمسه، وتقعد على الكرسي اللي أمها كانت بتقعد عليه.. كل ده كان قلبها الصغير مش قادر يقبله.
مش دلوقتي خالص.
كل مربية كانت بتيجي كانت بالنسبة لنور "خيانة". كل شنطة هدوم بتدخل البيت كانت دليل إن شيرين خلاص راحت للأبد، وإن الانتظار خلص، والمعجزة مش هتحصل.
ونور كانت بترفض ده بكل قوتها، وبكل كيانها الصغير.
الأسابيع عدت، والمربيات رايحة جاية. سمعة بيت
"عدي" بقت على كل لسان في الحي، وبعدين في المناطق اللي جنبه، ولحد مكاتب التوظيف في المدينة كلها.
الناس بقت تقول إن البنت دي مستحيلة، وإن الحزن ركبها، وإن أبوها بيدفع كويس بس البنت بتخلي العيشة جحيم.
المكاتب بدأت تتردد قبل ما تبعت أي حد. فيه اللي رفض العقد تماماً لما عرف الوضع، وفيه اللي كان بيبعت أقل المربيات خبرة—اللي مالهومش خيار تاني—ودول كانوا بيمشوا أسرع من غيرهم.
ماهر جاب آخره. ضاعف المرتبات، ووصلها لتلات أضعاف، وعرض مكافآت للي تصمد.. ومفيش فايدة. نور كانت بتكسب كل مرة.
وفي أوضتها بالليل، لما البيت يرجع لسكوته المرعب، كان ممكن حد يفتكر إنها مبسوطة بانتصاراتها.
بس الحقيقة، نور كانت بتعيط هي كمان.
في صمت، تحت الغطا، وهي ماسكة حتة قماش قديمة من لبس أمها بدأت ريحتها تروح. كانت بتعيط على أمها، وتحكي لها في الضلمة، وتقول لها عن يومها، وإنها قوية وبتحمي البيت، وإن ماحدش أبداً هياخد مكانها.
كانت حاسة
بوحدة مفيش كلام يوصفها. وحدة طفلة.. ودي أصعب أنواع الوحدة.
وفي وسط كل ده، في يوم أربع في بداية موسم الجفاف، لما الجو بدأ يبقى عفار والشجر بدأ يوقع ورقه، ماهر جاله رقم "عيشة".
واحد صاحبه قديم رشحهاله وقاله إنه يعرف حد "خاص"، مش مربية زي الباقيين، حد مختلف تماماً.
ماهر اتنهد وهو بيقفل السكة. ماكنش عنده أمل كبير، في الواقع ماكنش فاضل عنده أمل أصلاً، لدرجة إنه بدأ يفكر يسيب شغله عشان يتفرغ لنور.
بس وافق يقابلها على أي حال.. لآخر مرة.
عيشة وصلت بعد الظهر. الشمس كانت حامية، والعصافير بتغرد على شجر المانجو في الجنينة. وأول ما ماهر فتح الباب، حس بحاجة مش عارف يوصفها.
مش إعجاب بالمعنى العادي، ولا حب من أول نظرة، ولا أي حاجة من دي.. كان "حضور". فيه حاجة فيها كانت مالية المكان حواليها.
ست بيطلع منها هدوء، وقوة، وعمق—زي شجرة جدرها ضارب في الأرض من زمان.
عيشة كان لون بشرتها قمحي دافي، وشعرها معمول ضفاير طويلة
ومنظمة نازلة على كتافها، وابتسامتها كانت هادية—مش مصطنعة ولا مبالغ فيها، كانت طبيعية، زي حد الابتسامة جزء من تكوينه.
كانت في حدود الـ 35 سنة، إيديها كانت رقيقة بس قوية، وعينيها كانت بتخليك تحس إنك مسموع بجد وأنت بتكلمها—مش زي الناس اللي بتمثل إنها سامعة.
كانت جميلة من غير مجهود، لبسها بسيط ونضيف، وعندها ثقة هادية مش محتاجة استعراض.
ماهر حكى لها كل حاجة. موت شيرين، وجع نور، المربيات اللي جم ومشوا، تصرفاتها، الكركبة، الحاجات اللي اتكسرت، والسكوت اللي بيوجع أكتر من الصريخ.
ماخباش عنها حاجة، كان عايزها تعرف هي داخلة على إيه بالظبط.
عيشة سمعت من غير ما تتهز، ومن غير ما يبان عليها خوف أو شفقة. إيديها كانت مرتاحة على ركبها، ونظرتها ما اتحركتش.
لما خلص، والسكوت رجع تاني، قالت جملة واحدة بس:
"الأطفال اللي بيعملوا دوشة كتير، هما أكتر ناس محتاجين حد يسمعهم."
ماهر ماكنش متوقع الرد ده.
ولأول مرة من سنتين، فيه
حاجة جوا البيت بدأت تتغير.

تم نسخ الرابط