الصدمة في القريب
أنا اسمي سارة، واليوم اللي صحيت فيه في العناية المركزة وبطني فاضية، كان هو نفس اليوم اللي اكتشفت فيه إن الناس اللي واقفين حوالين سريري مش حزنانين على خسارتي.. بالعكس، دول كانوا حاسين بالراحة وكأن همّ وانزاح.
كنت حامل في الشهر السابع.
محصلش نصيب في الجواز، وأبو بنتي عادل اختفى بمجرد ما عرف إني متمسكة بالطفلة. قال لي إن الوقت مش مناسب، وإن شكله قدام عيلته ومستقبله أهم. أهلي استخدموا كلمات تانية، بس كان قصدهم نفس الشيء. أمي قالت لي إني بجيب لنفسي وليهم الكلام، وأختي الكبيرة هناء كانت شايفة إني بنتحر اجتماعيًا. كانوا مكسوفين مني، ورافضين إني أظهر ببطني قدام حد.. بس أنا كنت بروح مواعيد الدكتور، وبجهز ركن صغير في شقتي المتواضعة، وكنت بكلم بنتي كل ليلة كأنها حاسة بيا.
سميتها ليلى.
الحادثة حصلت يوم الثلاثاء وقت المغرب.
كنت راجعة من مشوار لوحدي، إيد على الدريكسيون وإيد تانية على بطني وليلى كانت بتتحرك تحت كفي. فجأة، كشافات عربية نوراها عالي جداً ملو مراية العربية وبسرعة مرعبة. قبل ما أستوعب، خبطة قوية جداً من ورا خلت عربيتي تلف وتتقلب. صوت تكسير القزاز وصريخ المعدن كان آخر حاجة فاكراها
لما فقت، ريحة المستشفى والوجع اللي في جسمي كانوا فوق الاحتمال. بس أول حاجة عملتها إني حطيت إيدي على بطني..
لقيتها نزلت. مفيش أي بروز.
طلعت مني شهقة مكتومة قبل ما أنطق. أمي كانت واقفة جنب السرير، ملامحها جامدة وبتمسح عيونها بمنديل ناشف. هناء كانت واقفة بعيد، مربعة إيديها وشكلها زهقان.
سألت بصوت مبحوح بنتي فين يا ماما؟
أمي اتنهدت ببرود وقالت البنت نزلت يا سارة.. مكنش ليها نصيب تعيش. وبعدين ده أحسن ليكي ولسمعتنا، أنتِ لسه صغيرة ومكنتيش هتقدري تشيلي شيلتها لوحدك.
بصيت لها بصدمة مش مصدقة.
هناء كملت بلامبالاة بصراحة يا سارة، ستر وغطا.. وجودها كان هيصعب الدنيا عليكي أوي.
لثواني، كنت حاسة إني في كابوس بشع ومستنية أصحى منه. بس الوجع كان حقيقي، والفراغ اللي في بطني كان حقيقي.. ونظرة الشماتة الممزوجة بالراحة في عين أهلي كانت أكتر حاجة حقيقية وبتوجع في اللحظة دي.
غمضت عيني وبدأت أعيط من قهرة قلبي.
وفجأة، الباب اتفتح.
دخل ظابط شرطة ومعاه عسكري، بص لأمي وهناء بصه فاحصة، وبعدين قرب من سريري وقال بصوت جدي
يا آنسة سارة، حمد لله على سلامتك.. بس إحنا عندنا أدلة تخلينا نشك إن
الأوضة اتكهربت، ولما بصيت لأمي وأختي، ملامحهم اتغيرت.. مكنش باين عليهم المفاجأة، كان باين عليهم الرعب.
الظابط طلب من أمي وأختي يخرجوا بره الأوضة.
طبعاً أمي اعترضت فوراً، وعملت نمرة الأم الملهوفة المصدومة وقالت بصوت عالي إن حالتي متسمحش بأي أخبار توجع قلبي. هناء أختي لوت بوزها وقالت كلام ملوش لزمة عن إن الشرطة بتكبر المواضيع. بس الظابط اللي كان اسمه المقدم حازم متهزش من مكانه. فضل واقف ومصمم لحد ما الاتنين خرجوا وقفل الباب وراهم، وسحب كرسي وقعد جنب سريري.
وبعدين قال الكلمتين اللي حولوا حزني لرعب حقيقي جمد الدم في عروقي.
قال لي العربية اللي خبطتك مفقدتش السيطرة يا سارة.. العربية دي زودت سرعتها قاصدة.
بصيت له وأنا متبنجة، مش قادرة أستوعب.
بدأ يشرح لي بالراحة، كأنه بيوزن الكلام عشان يشوف هقدر أتحمل قد إيه. كاميرات الطريق لقطت العربية ال SUV اللي كانت ورايا وهي بتدوس بنزين وتندفع ناحيتي قبل الخبطة بلحظات. لا حاولت تفادي، ولا ضربت فرامل.. دي كانت بتسرع بكل قوتها. وبعد ما حدفت عربيتي في السور الخرساني، السواق رجع لورا ولف وهرب بدم بارد. لا نزل
حادثة هروب.. وشروع في قتل.
حلقي كان ناشف ومحروق، سألته بالعافية لقيتوا اللي كان سايق؟
رد وقال لسه.. بس قربنا جداً.
قال لي إن العربية لونها رمادي غامق، ونمرها متدارية جزئياً. شهود العيان قالوا إن اللي كانت سايقة ست، وواحد منهم لمح إن كان فيه حد راكب جنبها، بس مكنش متأكد. المقدم حازم سكت لحظة، وبص للباب المقفول، وقال جملة عمري ما هنسى وقعها عليا
والدتك وأختك وصلوا المستشفى قبل ما نبلغ أي حد من أرقام الطوارئ اللي عندك بشكل رسمي.
بربشت بعيني وأنا مذهولة إزاي؟
رد ببرود ده بالظبط اللي أنا محتاج أعرفه.
الدنيا لفت بيا تاني، بس المرة دي مش من تأثير البنج. أهلي بيتهم بعيد عن هنا بمسافة تلت ساعة على الأقل. مستحيل يوصلوا بالسرعة دي إلا لو حد بلغهم فوراً.. أو لو كانوا عارفين أصلاً أنا هترمي في أنهي مستشفى.
حاولت أتمالك نفسي وسط نوبة الرعب دي وقلت له أنت قصدك إنهم ليهم يد في اللي حصل؟
رد وقال أنا قصدي إن توقيت وصولهم ملوش أي تفسير منطقي.
ضربات قلبي كانت سريعة لدرجة إنها بتوجع أكتر من غرز الجراحة اللي في صدري. وفجأة، افتكرت حاجة تانية أهم.
هما قالوا لي إن بنتي ماتت.
ملامح الظابط اتغيرت فوراً. مكنش