لماذا لا يأكل زوجي؟
ناحية المطبخ، مسترشدة بريحة الفول السوداني والتوابل. وبصيت من فتحة الباب.
المشهد اللي شفته خلاني أتجمد مكاني.
السفرة كانت مجهزة
لكن المرة دي كان فيها طبقين.
الاتنين فيهم طاجن اللحمة الساخن
لكن طبق واحد بس كان معاه رز أبيض جاهز للأكل.
الطبق التاني كان قدام كرسي فاضي.
وكريم كان بيرتب الملاعق قدام الكرسي ده بحنية غريبة. وفجأة سمعته يهمس بصوت مكسور
يا أمي
أهو عملتلك الأكلة اللي بتحبيها تاني زي ما كنتِ بتحبيها بالضبط.
يا ريتك كنتِ هنا عشان تدوقيها.
الهوا خرج من صدري.
أمه؟
أم كريم كانت متوفية من ثلاث سنين قبل ما نعيش في البيت ده أصلاً، بعد صراع طويل مع السرطان.
دفعت الباب ودخلت.
قلت بصوت مرتعش
كريم بتكلم مين؟
اتخض واتلفت بسرعة، وكاد
قال متلعثم
آه يا حبيبتي ماكنتش أعرف إنك هترجعي بدري مفيش حاجة، كنت بس بفكر بصوت عالي.
لكن الأعذار ماكانتش هتنفع. الحقيقة كانت واضحة قدامي.
عديت من جنبه وقعدت على الكرسي قدام السفرة. بصيت للطبق اللي قدام الكرسي الفاضي كأنه هدية صامتة لحد مش موجود.
فضل واقف ساكت شوية، وبعدين قعد قدامي وهو مطأطئ رأسه.
وقال بصوت مكسور
دي كانت أمي
هي اللي كانت تطبخ لي وأنا صغير. كان ده طريقتها تقول لي إنها بتحبني. لما مرضت الأدوار اتبدلت. بقيت أنا اللي بطبخ لها كل يوم.
مسح دموعه وقال
لكن في آخر أيامها السرطان خلاها ما تقدرش تاكل. وأنا كنت لسه بطبخ لها رغم إنها ما كانتش قادرة.
سكت لحظة، وبعدين كمل
قبل ما تمشي بأيام، مسكت إيدي وقالت
يا ابني ما تبطلش تطبخ للناس اللي بتحبهم. حتى لو أنت مش جعان المهم إنهم يشبعوا. ده هيكون إرثي ليك.
ابتلع ريقه وقال
من يوم ما ماتت كل مرة أحاول آكل بحس إني بخونها. كأني بقبل إنها مش موجودة.
لكن لما بطبخ لك وإنتِ بتاكلي بحس إني بنفذ وصيتها وبحس إنها واقفة في المطبخ وبتبتسم.
في اللحظة دي كل حاجة بقت واضحة.
كريم ماكانش بيصوم لأنه مش جعان
كان بيعيش حدادًا مجمدًا من ثلاث سنين.
قمت من مكاني، وروحت عنده ومسكت إيديه.
قلت له وأنا ببكي
أمك علمتك تحب الناس بالأكل وإنت فعلاً عملت كده معايا كل يوم. لكن أنا متأكدة إنها لو شايفاك دلوقتي هتزعل إنك بتجوع نفسك.
مسكت وشه وقلت
هي أكيد كانت هتكون أسعد لو شافت ابنها بيقعد ويأكل ويعيش حياته مش يحرم
في اللحظة دي كريم انهار في البكاء. بكى كأنه بيخرج ألم ثلاث سنين دفعة واحدة. حضنته وسيبته يعيط لحد ما هدأ.
بعد شوية قمت وجبت طبق رز وحطيته جنب طبق الطاجن قدامه.
وقلت بابتسامة
يلا ناكل سوا إحنا التلاتة.
بص للطبق وبص لي وابتسم ابتسامة خفيفة.
وقال
أيوه يا حبيبتي أظن جه الوقت.
وفي الليلة دي، لأول مرة من سنين، شفت جوزي بياخد أول لقمة.
كانت عشا هادية ما اتكلمناش كتير. لكن الصمت ماكانش بينا زي قبل كده. كان جسر بيربطنا.
ومن يومها، كريم عمره ما أكل لوحده تاني.
لكن بقى عندنا تقليد جديد
كل ليلة قبل ما نبدأ الأكل بنولع شمعة بيضا صغيرة في نص السفرة.
تحية بسيطة لروح أم كريم.
لأن الأكل مش بس حاجة نشبع بيها
الأكل أحيانًا بيكون لغة الحب
وذكرى الناس اللي علمونا نحب حتى وهم مش موجودين.