من وردية يوم… لعمر كامل

لمحة نيوز

أنا عارفة إن الموضوع جه فجأة، بس صوت صوفيا في التليفون كان كله تعب ويأس.

قالتلي:
"في شغلانة في قصر آشفورد."

قولتلها:
"صوفيا، أنا معرفش أي حاجة عن—"

قاطعتني بسرعة:
"مش محتاجة تعرفي. مستر آشفورد مش بيبقى في البيت طول النهار أصلاً. أرمل ودايمًا في الشغل. كل اللي محتاجاه تنظيف بسيط، ويمكن تبصي على ابنه كام ساعة لو احتاج. الولد عنده خمس سنين، اسمه أوليفر. طيب بس خجول. بالله عليكي يا مايا، هفضل مدينة ليكي طول عمري."

قفلت عيني لحظة وافتكرت كل مرة وقفت جنبي فيها في الجامعة، وسلفتني فلوس لما كنت مزنوقة، وكانت معايا لما بابا وماما ماتوا في حادثة من تلات سنين. مكنش لينا غير بعض.

تنهدت وقلت:
"ماشي. ابعتيلي العنوان وكل التفاصيل. بس خدي بالك، إنتي مدينة ليا بعمرين مش عمر واحد."

ضحكت ضحكة تعبانة وقالت:
"اتفقنا. شكراً يا مايا، إنتي طوق النجاة."

بعد ساعتين كنت واقفة قدام بيت خطف نفسي.
ده مش بيت… ده قصر. واسع ومستخبي ورا طريق طويل، جنينة متظبطة كأنها لوحة، ونافورة

في النص. كل حاجة فيه بتقول فلوس وذوق قديم.

همست لنفسي:
"هنا بتشتغل صوفيا…"

بصيت لملابسي — قميص أزرق فاتح وجينز بسيط — وحسيت إني مش في مكاني خالص. خبطت الجرس، وبعد لحظة الباب اتفتح.

كان واقف راجل لابس بدلة كحلي، واضح إنه خارج للشغل. طويل وفي نص التلاتينات تقريبًا، شعره غامق وعينيه فيها تعب تقيل. النظرة اللي بتاعة حد شايل فوق طاقته.

قال بهدوء رسمي:
"إنتي أكيد بديلة صوفيا. أنا ألكساندر آشفورد. شكراً إنك جيتي بسرعة كده."

مديت إيدي:
"مايا رودريغيز. صوفيا أختي. هي آسفة إنها مقدرتش تيجي."

قال:
"ولا يهمك. أنا متأخر على اجتماع. أوليفر في الليفينج. فطر خلاص، بس محتاج غدا حوالي الضهر. الأكل في التلاجة. أدوات التنضيف في الأوضة الجانبية. صوفيا سايبة ملاحظات على ترابيزة المطبخ."

سألته:
"أوليفر ابنك؟"

عدّى في وشه ظل ألم خفيف وقال:
"آه. عنده خمس سنين. مر بحاجات كتير. أمه ماتت من سنتين، ومن ساعتها مبقاش بيتكلم كتير مع حد. متاخديش الموضوع شخصي."

وقبل ما أرد، كان

ماشي ناحية عربيته السودة الأنيقة.
قال وهو بيركب:
"هرجع الساعة ستة. رقمي على الترابيزة لو احتجتي حاجة."

وسابني واقفة جوه مدخل قصر ضخم، مسؤولة عن بيت وطفل لسه ماشوفتوش.

لقيت أوليفر زي ما قال بالظبط. قاعد على الأرض في ركن ألعاب كبير، بيبني بمكعبات ملونة. شعره شبه أبوه وعينيه فيها نفس الحذر. جنبه فيل قماش رمادي شكله متبهدل من كتر الحب، ودنه معوجة.

ركعت على مسافة مناسبة وقلت بهدوء:
"هاي يا أوليفر. أنا مايا. هبقى هنا النهارده لحد ما بابا يرجع."

بصلي ثانية ورجع لمكعباته من غير كلمة.

أنا درست نفسية الطفل وعارفة إن الحزن عند الأطفال ممكن يطلع في صمت. فمضغطتش عليه.

قلت عادي:
"البرج حلو قوي. عجبني إنك عامل القاعدة خضرا… ده يخليه ثابت أكتر."

مسك المكعبات وقف لحظة — عرفت إنه سامع.
قلت:
"أنا هنضف شوية وهبقى قريبة. ينفع أشغل مزيكا؟ بحب أشتغل عليها."

بصلي وهز راسه هزة خفيفة.

فضلت طول الصبح بنضف وبدخل أطمن عليه. مرة مكعبات، مرة بازل، مرة تلوين. والفيل دايمًا جنبه.

كان كل شوية يبصلي كأنه بيتأكد إني لسه موجودة.

قرب 11 ونص قررت أعمل الغدا. حسب ملاحظات صوفيا، بيحب أكل بسيط: سندوتشات وفاكهة وجبنة. قطعت الساندوتش أشكال، ورتبت الفاكهة وش مبتسم.

قلت:
"أوليفر، الغدا جاهز. تحب تاكل على الترابيزة ولا هنا؟"

بص للطبق، وأول مرة شفت لمعة اهتمام في عينه. أشار لترابيزة القهوة.

قلت مبتسمة:
"هنا تمام."

قعدت جنبه على الأرض. أكل ببطء ومنظم. في النص مسك الفيل وخلاه ياكل فاكهة.

سألته:
"الفيل اسمه إيه؟"

بصلي طويل… وبصوت واطي قوي قال:
"هامفري."

قلبي نط، بس حافظت على هدوئي:
"اسم حلو قوي. باين عليه صاحب وفي."

هز راسه وكمل أكل.

بعد الغدا قعد يلعب تاني. لاحظت رف كتب أطفال، فقلت:
"تحب أقرأ قصة؟ أنا بعرف أعمل أصوات مضحكة."

بصلي وبعدين قام جاب كتاب.
قعدت على الأرض… والمفاجأة إنه قعد جنبي قريب جدًا.
قريت القصة بأصوات مختلفة، وصوت الفيل كان أحمق ومضحك.

بصيتله… لقيته بيبتسم. ابتسامة صغيرة بس حقيقية.
قرينا تلات كتب. في الرابعة كان مسنود

على كتفي وفيله في حضنه.

بعد ما خلصت، قال واضح:
"تاني."

ابتسمت:
"أكيد."

وكنا بنقرا، سمعت صوت عند الباب.

تم نسخ الرابط