حماتي وكرتونة رمضان بقلم الكاتبة نرمين عادل همام
حماتي وكرتونة رمضان
بقلم الكاتبة: نرمين عادل همام
بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله.. كل سنة وأنتم طيبين. الجملة دي اللي كنت بقولها كل سنة بضحكة من قلبي، السنة دي خرجت مني زي الشوكة اللي بتجرح في حنجرتي. مكنتش أتخيل أبداً إن كرتونة ورق عادية، فيها شوية سكر ورز وزيت، ممكن تكون وسيلة كيد وأقسى من اعتراف صريح بالعداوة. كانت مجرد "شنطة رمضان".. ده اللي كنت فاكراه قبل ما تتحول في ثواني لبركان كشف لي قد إيه أنا كنت مغيبة وعايشة نايمة على وداني.
الحكاية بدأت قبل رمضان بأسبوع، لما حماتي طلبت مني أروح أنظف لها شقتها "تنضيفة رمضان". ورغم إني كنت تعبانة ومهدودة من شغل بيتي وطلبات ولادي، مقدرتش أقول لأ. رحت وعملت كل اللي يرضيها، وبدل ما تشكرني لقيتها بتقولي بكل برود: "بقولك إيه يا هناء، بكره تروحي تنظفي شقة بنتي أخت عصام، أصل البت ضعيفة وتعبانة ومش حمل مجهود".
ساعتها مقدرتش أسكت، قلت لها بأدب: "يا ماما أنا كمان والله جسمي واجعني وتعبانة جداً، مش هقدر أعمل شقتين في يومين". وشها اتقلب وبصت لي
ليلة أول يوم رمضان، رجع جوزي عصام من الشغل وداخل بكرتونة كبيرة وتقيلة، حطها في نص الصالة وقال بنبرة فيها حنية غريبة استغربتها: "يا هناء، دي كرتونة رمضان أمي بعتاها لأهلك، شوفي ناقصها إيه وزوديه وعاوزك تاخديها معاكي وإحنا رايحين نفطر عندهم بكرة.. قولي لهم دي هدية بسيطة مننا".
فرحت جداً وقلت في سري "الأصيل أصيل"، وحسيت إن حماتي حنّت عليا وبتصالحني بالكرتونة دي. أخدت الكرتونة للمطبخ وقلت أزود عليها ياميش وحاجات من عندي. فتحت الكرتونة ببطء وبدأت أطلع الحاجة واحدة واحدة.. السكر، الزيت، علبة السمنة.. لحد ما وصلت لكيس الرز التقيل اللي في القاع. وأنا برفعه، لقيت تحته "ظرف أسود" صغير متقفل بلصق جامد ومحشور بعناية.
إيدي وقفت مكانها وقلبي انقبض.. فتحت الظرف وإيدي بترتعش، ووقعت الصور على الرخامة زي الصواعق! صور لجوزي عصام مع أمه وأبوه وأخواته كلهم متجمعين في عزومات عائلية كبيرة ومبهجة.. صور كتير وفي تواريخ مختلفة، وفي أماكن كنت فاكرة
كان قاعد بيضحك من قلبه وسطهم وهما حواليه كأنهم عيلة مثالية.. وأنا؟ أنا مكنتش موجودة في ولا صورة! مكنتش أعرف أصلاً إن العزومات دي بتحصل. حماتي كانت بتلمهم من ورا ضهري، وعصام كان بيكدب عليا ويقولي عندي شغل كتير عشان يروح يتبسط معاهم، وهما يملوا دماغه إني ماليش لازمة.
بس الصدمة الحقيقية كانت في آخر الظرف.. لقيت صور تانية خالص. صور لبنت تانية، باين عليها الجمال والدلال، ومكتوب وراها بخط أخت جوزي: "دي اللي تليق بيك يا عصام.. دي اللي شعرها حرير وشكلها يشرف، أحسن من اللي عندك اللي هدها الشغل والتمارض".
كانت دي رسالة التهديد الحقيقية اللي حماتي بعتها في كرتونة رمضان. مكنتش كرتونة خير، دي كانت كرتونة "سِم".. باعتة الصور دي عشان تقول لأهلي: "ابننا مش عامل لبنتكم قيمة وبننقيله العروسة الجديدة اللي تليق بمقامه".
وقفت في المطبخ مش عارفة أتنفس.. إزاي عصام قدر يكدب عليا كل ده؟ وإزاي أهله قساة لدرجة إنهم يخططوا يجوزوه عليا ويذلوني في يوم زي ده؟ فهمت وقتها إن
تاني يوم، رحت الفطار عند أهلي زي ما كنا مرتبين، وشايلة في إيدي الكرتونة اللي المفروض فيها الخير، بس هي في الحقيقة كانت شايلة نهاية وهمي. كنت قاعدة على المائدة وحاسة إني وسط غرباء. عصام جوزي كان بيمثل دور الزوج المثالي الكريم ببراعة تقرف، بيضحك مع بابا ويناغش ولادي، وهو في الحقيقة كان لسه راجع من عزومة سرية عند أمه من غير ما أعرف.
وقبل الأذان بدقائق والكل مستني الفرحة، طلعت الظرف الأسود اللي لقيته في قاع الكرتونة وحطيته في نص المائدة. الصمت بقى تقيل لدرجة تخنق. قلت بصوت ثابت رغم البركان اللي جوايا: "الكرتونة وصلت يا عصام.. والحقيقة كمان وصلت بالصور والورق".
الوجوه اتغيرت في ثانية.. عصام حاول يضحك ببرود ويقول إيه الصور دي، بس عينه كانت بتزوغ. الصور مكنتش بس عزومات، دي كانت كاشفة مخطط عيلة كاملة. اكتشفت إن عصام كان بياخد من فلوسي وبيدي لأمه وأبوه عشان يجهزوا أخوه الصغير ويجوزوه، وكمان بيدي لأخته المتجوزة عشان يروق عليهم، وكل ده