جيراني قعدوا يتريقوا عليا لما دفنت 46 قلة فخار وراء بيتي

لمحة نيوز

جيراني قعدوا يتريقوا عليا لما دفنت 46 قلة فخار وراء بيتي، وقالوا لعيالي يجوا يلحقوني.. بس أنا فضلت أشتغل وساكتة، وعارفة إن الخير جاي.. ولما جت موجة الجفاف القاحلة، أرضي فضلت خضرا وأراضيهم نشفت.. بس في يوم، لقيت جار متكبر جاي لحد باب بيتي بيهددني يا أفتح له حنفية المية الأخيرة، يا يحبس ابني بقضية تنهي مستقبله!
شوفوا الست العجوزة.. بدأت تدفن طواجنها في الأرض من كتر ما خرفت!.. المعلم فرج صرخ بالجملة دي من وراء السور، واثنين من العمال بتوعه ضحكوا بسخرية.
وأنا كنت واقفة بالفأس في إيدي وجنبي قلة فخار نيّة. ما رديتش. فعند السبعين سنة، اتعلمت إن الرد على الناس الجاهلة ضياع وقت.
اسمي زينب، وعايشة في عزبة صغيرة جنب مركز أبو حماد بالشرقية. من شهور وأنا بجمع 46 قلة وفخارة بالقطارة عشان مأثرش على أكل عيالي. ودفنتهم في الأرض وخليت فتحتهم لبرة جنب جذور الزرع، عشان المية ترشح بالراحة وببطء وتنقذ المحصول. السر ده اتعلمته من أمي الله يرحمها.
الترعة اللي جنبنا ميتها كانت بتقل أسبوع بعد أسبوع، والأرض اتشرخت، والبهائم عطشت. لكن جيراني.. فرج وحسين وعبد التواب.. كانوا بيكبروا ويتباهوا بمواشيهم وأراضيهم، وفاكرين إن الشتا هينزل لوحده.
وفي شهر أبريل، جه ابني سعيد من الزقازيق بخبر أسود المعلم فرج رفع قضية يطعن في صحة ورثنا وأرضنا عشان يطردنا، وحسين رافع قضايا تانية على سعيد عشان يلبسه ديون قديمة! تعالي يا ماما عيشي معايا، دول بيحاصرونا.. سعيد قالها وهو بيعيط. لو مشيت، أبقى سلمت لهم شقى عمر أبوك!.. رديت بحسم.
ولما جه شهر يونيو، الترعة نشفت تماماً! طماطم وخضار الكل نشف ومات.. ما عدا زرعي أنا، اللي كان شارب من سحر القلل الفخار!
كلهم جولي مكسورين، وأولهم المعلم فرج.. وقف قدام بوابة بيتي وقال بكل جبروت وطمع افتحي لي المية اللي عندك.. يا إما أقسم بالله ما هخلي ابنك يطلع براءة من القضية وهيقضيها في السجن!
يا ترى زينب هتستسلم لتهديدات المعلم فرج وتفرط في ميتها، ولا هتقلب الطاولة عليه وتنقذ ابنها؟
الجزء الثاني الباب الذي لم أفتحه لمن يهددني
وقفتُ أمامه بثبات، ولم أرتجف ولو لشعرة واحدة. كنت أعرفه جيداً.. هذا الرجل لم يتربَّ على العطاء، بل على الأخذ بكل ما أوتي من قوة وغلظة. نظرتُ إليه بعمق وقلت بصوت وصل لمسامعه بوضوح المية دي مش ملكي يا فرج.. دي هبة من الأرض لمن يخدمها ويحترمها. وأنا مش هفتحها لمن عطش من كبريائه وجشعه. الأرض علمتني إن المية بتروح لمن يعرف قيمتها، مش لمن يهدد ويتربص.
صاح في وجهي وقد احمر وجهه من الغضب إنتِ بتتحديني؟ أنا قلتلك آخر كلام.. إما تفتحي الحنفية النهاردة، أو بكرة الصبح تلاقي ابنك مقبوض عليه ومحبوس! القضايا جاهزة والشهود معايا، وأنا أقدر أخلص حياته بضربة قلم!
لم أتزحزح من مكاني. رفعت رأسي ونظرتُ لعينيه مباشرة الله اللي بيده ملكوت كل شيء، أكبر من قضيتك ومن كيدك. وأنا بضمنلك حاجة واحدة اللي بيجي بالباطل، بيروح بالباطل. إما تختار تروح من هنا بسلام، أو تفضل وتشوف بنفسك إن اللي بني على الظلم ما بيدوم طويلاً.
بصق على الأرض بغضب، وركب عربته ومضى مسرعاً، تاركاً ورائه سحابة غبار كثيفة. أغلقتُ الباب الخشبي القديم ببطء، وسندتُ ظهري عليه، وأخذت نفساً عميقاً امتلأت به رئتيّ برائحة التربة الرطبة والخضرة. لم أكن خائفة.. لكن قلبي كان مثقلاً على ابني سعيد. جلستُ على الكرسي الخشبي في الفناء، وأخرجتُ مصحفاً صغيراً كان أبي قد تركه لي، وقرأت بضع آيات طمأنت قلبي ﴿وَيَرِدُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أَنفَقُوا وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ الْآخِرَةِ﴾.
الجزء الثالث السر الذي أخفيته طويلاً عن الجميع
في الصباح التالي، لم أذهب إلى الحقول كالمعتاد. بدلاً من ذلك، أخذت عصاي وتوجهتُ نحو المقابر القديمة على طرف العزبة، حيث كان ينتظرني الرجل الوحيد الذي كان يعرف كل شيء.
جلستُ بجانبه، الشيخ عبد الحكيم، رجل تجاوز التسعين، وكان والدي قد علمني معه أسرار الأرض والمياه حين كنت في العشرين من عمري. قال لي وهو ينظر إلى الأفق البعيد عرفتِ إنهم جاؤوكِ؟ فرج وحسين وعبد التواب.. كلهم جاؤوكِ واحدًا تلو الآخر، أليس كذلك؟
نفضتُ رأسي بالإيجاب نعم.. وهددوا ابني وسجنوه. قالوا إني أخبئ مية عنهم وأنا أملك ينبوعاً سحرياً.
ضحك الشيخ عبد الحكيم بصوت هادئ عميق كأصوات الأعماق أنتِ تعرفين يا زينب أن ما دفنته ليس مجرد قلل فخار.. هو حكمة أجدادنا. الأرض مثل جسم الإنسان.. لما تشرب بسرعة كبيرة، تمرض وتتقيأ. ولما تشرب ببطء ورفق، تمتص كل قطرة وتعطي ثمارها بكرم. القلل اللي دفنتيها بتسمح للمياه الجوفية تتسرب ببطء للجذور من غير ما تتبخر في الحر أو تضيع في التربة الصخرية. كل قطرة محسوبة ومكانها محفوظة.
سألته وأنا أتأمل تجاعيد يديه الخشنة ولكن هل يكفي هذا لإنقاذ أرضنا وابني؟ فرج معاه نفوذ ومال وكل الناس بتخاف منه.
مد يده المسامية ووضعه على كتفي بكل حنان النفوذ بيموت يا بنتي، والمال بيروح، لكن الحق بيقعد لآخر الزمان. والسر اللي خبيناه مش بس طريقة ري.. هو دليل على حق قديم منعوه عنكم سنين طويلة. اليوم اللي تطلع فيه الحقيقة، هتتغير موازين كل حاجة.
أسفل شجرة النخيل القديمة في طرف

تم نسخ الرابط