حماتي كانت بتخليني أطبخ لبنتها وجوزها وعيالها من الصبح
حماتي كانت بتخليني أطبخ لبنتها وجوزها وعيالها من الصبح، وبعد ما يخلصوا أكل تطلعني شقتي وتديني بواقي الأكل!!!!
بداية الحكاية
أنا متجوزة بقالي كام سنة، وجوزي شغال بره مصر، وسايبني عايشة مع أمه في نفس البيت. في الأول كنت بقول لنفسي إن دي أمي التانية، وإن المفروض أستحملها وأعاملها بالحسنى، خصوصًا إن جوزي بعيد عني ومش موجود عشان يشوف اللي بيحصل.
كنت كل يوم بنزل أطبخ مع حماتي، ونفطر ونتغدى سوا، والدنيا ماشية عادي. لكن كان فيه يوم معين بيتحول فيه البيت لسجن بالنسبالي، واليوم ده كان يوم زيارة بنتها.
أول ما بنتها تقول إنها جاية هي وجوزها وعيالها يتغدوا عندنا، حماتي تصحى من بدري، وتطلع تخبط على باب شقتي خبط يخض.
يلا يا بنتي، انزلي حضري الأكل، بنتي جاية النهارده هي وجوزها والعيال، وعايزين غدا محترم.
حكايات_مني_السيد
أنزل من غير ما أتكلم، وأدخل المطبخ أقطع وأقشر وأطبخ، وأفضل واقفة بالساعات لحد ما ضهري يوجعني ورجلي ما تبقاش شايلاني. حصري على صفحة روايات و اقتباسات
وأول ما بنتها توصل، تلاقي حماتي وشها منور، وتقعد ترحب بيها وتاخد منها العيال وتدلعهم، وأنا أفضل في المطبخ أجهز السفرة وأحط الأكل.
لكن المفاجأة كانت بتيجي بعد ما الأكل يخلص!
حماتي كانت تبص لي وتقولي بمنتهى البرود
يلا يا حبيبتي، اطلعي شقتك لحد ما نخلص ونمشي، وبعدها انزلي نضفي المطبخ والسفرة، وأنا هطلع لك نصيبك فوق.
كنت ببص لها وأنا مش مصدقة، بس أبلع كلامي وأطلع شقتي، وأستنى لحد ما تنادي عليا... وساعتها بقى يطلع لي نصيبي اللي عمره ما كان نصيب! مرة جناح فرخة، ومرة شوية رز من اللي فضل في الحلة، وساعات طبق فيه عضم وبواقي أكلهم.
كنت بقعد أبص للطبق وأقول لنفسي هو أنا مش من أهل البيت ده؟ هو أنا مش مرات ابنها؟ ليه كل مرة بنتها تيجي أتحول لخدامة، وبعدها آخد بواقي أكلهم وكأن ده الطبيعي؟
وكنت بسكت، مش عشان مش قادرة أرد، لكن عشان ما كنتش عايزة أعمل مشكلة بيني وبين حماتي، ولا أضايق جوزي اللي بعيد عني.... والموضوع ما وقفش عند الأكل وبس.
في مرة بنتها قالت إنها نفسها في صينية جولاش باللبن، وحماتي جت لي وقالت لي أعملها مخصوص عشان بنتها بتحبها.
الغريب إني يومها قلت لها إني أنا كمان نفسي فيها من زمان، لكنها بصت لي وقالت ما إنتِ تعمليها، وناكل كلنا.
وفعلًا عملت الصينية، وتعبت فيها، لكن وقت الأكل لقيت نفسي برضه قاعدة لوحدي، ولما سألت على نصيبي، لقيت كام حتة صغيرة متبقية.
ساعتها حسيت إن كرامتي بتتجرح كل مرة، وإن سكوتي اللي كنت فاكراه طيبة، بقى بالنسبالها موافقة على كل اللي بتعمله.
لحد ما جه اليوم اللي قررت فيه إني مش هسكت تاني.
كنت نازلة الصبح كعادتي، لقيت حماتي واقفة مستنياني عند
باب شقتها، وقالت لي وهي بتظبط طرحتها
يلا يا بنتي، انزلي حضري الغدا بدري النهارده، وشوفي هتعملي أكل إيه، عشان بنتي جاية هي وجوزها والعيال.
المرة دي ما دخلتش المطبخ، وما قلتش حاضر زي كل مرة.
بصيت لها بهدوء وقلت
يا حماتي، أنا النهارده مش هطبخ هنا.
اتغيرت ملامحها، وبصت لي من فوق لتحت وقالت باستنكار
نعم يا أختي؟! هو إنتِ على إيدك نقش الحنة؟ إنتِ وراكي إيه عشان ما تطبخيش؟
ابتسمت ابتسامة صغيرة وقلت لها
لأ يا حماتي، أنا هطبخ بس المرة دي في شقتي فوق، عشان أنا عازمة أهلي.
سكتت ثواني، وبعدها قالت جملة خلتني أعرف إن اليوم ده مش هيعدي على خير أبدًا
خلاص، هنطلع كلنا ناكل عندك فوق!
بصيت لها، وافتكرت كل مرة طلعتني فيها شقتي وخلتني أستنى بواقي أكلهم، وقررت أرد عليها بنفس الهدوء.
وقلت لها جملة واحدة بس جملة خلت وشها يتقلب، وخلتني أكتشف إن حماتي مش متعودة أبدًا إن حد يقول لها لأ!.... حكايات_مني_السيد
يا ترى قلت لها إيه؟ وهل هتقبل إني أعزم أهلي لوحدهم، ولا هتقلب البيت كله عليا؟
يتبع
يا ترى قلت لها إيه؟... دي اللحظة اللي قررت أوقف فيها المهزلة دي عند حدها، ومستعدة لكل العواقب!
بصيت في عينيها بثبات، وبنبرة هادية بس واثقة، قلت لها لأ يا حماتي، معلش.. أهلي جايين يقعدوا معايا أنا لوحدنا، ومش هينفع عزومة فوق العزومة دي، ولا عندي مكان يكفيكم كلكم.. بعد إذنك.
سابتني ودخلت شقتي وقفلت الباب ورايا بهدوء، وأنا سامعة صوت نفسها العالي من الغيظ وهي واقفة على الباب بتبرطم بصوت مش مفهوم. أول ما دخلت، حسيت برعشة في جسمي كله، مش خوف منها، لكن من رهبة الخطوة اللي أخدتها لأول مرة في حياتي الجوازية دي. أنا بقالي سنين ساكتة وراضية، ودي أول مرة أقول لا بصوت عالي وفي وشها.
دخلت المطبخ بتاعي الصغير اللي فوق، فتحت الثلاجة وطلعت اللي فيها، كنت مقررة أعمل أكل نضيف ومحترم لأمي وأبويا وأخويا اللي ما شافوش مني أكلة حلوة من زمان بسبب سجن الطابق اللي تحت. بدأت أشتغل بحماس وفرحة كأنها أول مرة أدخل مطبخ، كنت حاسة بكرامتي وهي بترجع لي مع كل خطوة.
الساعة بقت اتنين الظهر، سمعت صوت دوشة على السلم، صوت ضحك عالي وزعيق أطفال.. أهل البنت وصلوا. البيت اللي تحت اتقلب خناقة وترحيب، ريحة الأكل اللي عاملاها حماتي بدات تطلع في الشقق، بس المرة دي ما حسيتش بالۏجع اللي كنت بحسه كل مرة، بالعكس، كنت شامّة ريحة أكلي اللي بيستوي فوق، وريحة الحرية والراحة النفسية.
بعد ساعة، خبط باب شقتي خبطة سريعة وقوية، خبطة حماتي المعهودة اللي بتعرفني منها إنها جاية تطلع ڠضبها فيا.
فتحت الباب، ولقيتها واقفة وشها أحمر وډمها فاير، وحاطة إيدها في جنبها وبتبص لي ببرود مقرف وقالت بصوت
مسموع إيه يا هانم؟ إنتي قاعدة حاطة إيد على إيد وفوق ولا كأنك سامعة دوشة الضيوف تحت؟ بنتي وجوزها وعيالها تحت، وطبعا السفرة محتاجة تتظبط، والمطبخ تحت لسه مضړوب، انزلي شوفي شغلك يلا، عيب الضيوف تحت وإنتي قاعدة فوق لوحدك!
بصيت لها وأنا متسندة على بابه، وقولت ببرود أهدى من المرة اللي فاتت يا حماتي، أنا مش فاضية.. أهلي على وصول، ورايا شغل كتير في شقتي، وزي ما قلت لحضرتك، أنا مش نازلة تحت النهارده.
فتحت بوقها من الصدمة، وقربت خطوة لقدام وقالت بصوت عالي لفت انتباه الناس اللي تحت أهلك مين يا بنتي إنتي جنيتي؟ إنتي نسيتي نفسك ولا إيه؟ إنتي هنا خدامة البيت ده، تخدمي حماتك وتخدمي سلايفك وبنات حماكي، أهلك مين دول اللي جايين يتمنظروا عليا؟ أنزلي حالا بقولك، أحسن لك!
الكلمة نزلت على وداني كأنها سکينة. كلمة خدامة قالتها بكل صراحة ووقاحة، من غير حتى ما تكلف خاطرها تخبيها! ساعتها الډم طار في دماغي، وكل السكوت اللي سكتته السنين اللي فاتت اتحول لڼار في صدري.
قبل ما أرد، سمعت صوت رجلين طالعة على السلم، وبصيت لقيت أمي وأبويا وأخويا مصطفى طالعين وشايلين شنط فيها حاجات وطالعين على ريحة الأكل. أمي أول ما شافت حماتي واقفة قدام بابي بالشكل ده وبتزعق، وشها اتغير وقالت بقلق خير يا أم محمود؟ في إيه
بنتي مزعلاكي في حاجة؟
حماتي شافت أهلي، فبدأت تلعب دور المسكينة المظلومة، وعملت نفسها بټعيط وبتمسح دمعة وهمية وقالت أهلاً يا ست هانم! تعالي شوفي بنتك متربية إزاي.. طالبة منها تطبخ لقرايب جوزها الغلابة اللي جايين يزورونا، قالت لي لأ وعملت لي عزومة لأهلها عشان تتمنظر عليا، ورافضة تنزل تخدم الضيوف!
أبويا راجل كبير وطيب، بس كريم وعزيز النفس جداً. بص لحماتي وبص لي، وقال بصوت حكيم وثابت يا حاجة، بنتي مش خدامة عند حد، بنتي متجوزة راجل محترم، وجاية في بيتها وبيت جوزها، وعيب الكلام ده.. ولما تكون عازمة أهلها دي حاجة تخصها ومش عيب ولا حرام.
حماتي اټجننت أكتر لما أبويا رد عليها بالأسلوب المحترم ده، وقالت بسخرية وقهر بيت ابنها مين يا راجل إنت؟ البيت ده بيتي أنا، واللي تاكل من خير ابني وتعيش تحته تسمع الكلام، ومش عاجبها تنزل لبيت اهلها بلا رجعة!
هنا بقى مصطفى أخويا ما استحملش، وكان دي دايمًا عصبيه، طلع من ورا أبويا ووقف قدام حماتي وقال بصوت نبرته تخوف إنتي بتقولي إيه يا حاجة؟ اعدلي كلامك واعرفي إنتي بتكلمي مين! أختي مش محتاجة منكم حاجة، وجوزها بيبعت لها مصاريفها، ولو على أكلكم وخدمتكم، فبنتي الأصول مش خدامة عندكم عشان تذلوها ببواقي الأكل! إحنا جينا نشيل أختنا ونأخدها معانا لحد ما جوزها ينزل بالسلامة!
أنا بصيت لمصطفى
وعنيا دمعت، حسيت إن أخويا ظهر وضهر وسند حقيقي ليا. حماتي اټرعبت من نظرة مصطفى ومن كلامه الجريء، لأنها كانت متعودة إني لوحدي ماليش ضهر، وإن جوزي بعيد عنها، فكانت بتاكل فيا زي ما هي عايزة.
قالت بصوت واطي وهي بتتلفت عشان الضيوف اللي تحت ما يسمعوش طيب.. طيب، وروني هتعملوا إيه، وابن عماد لما يرجع هعرفه إزاي مراته طردت أمه وبهدلت أهل البيت، وهقوله إنها مش راضية تعمل لبيته اعتبار!
مصطفى ضحك بسخرية وقال لها جوزها لو جه وسمع اللي بتعمليه فيها، وبواقي الأكل اللي كنتِ بتطلعيها لها زي القطط، هو بنفسه اللي هيجي يطردك من هنا! ويلا يا جماعة.. ادخلوا جوه الشقة، مش هنقعد دقيقة واحدة في مكان فيه إهانة لأختنا.
دخلت أنا وأهلي شقتي، وقفلنا الباب ورانا.. ولأول مرة من سنين طويلة أحس إني مرتاحة، كأن جبل كبيير اتشال من على صدري. قعدت مع أهلي على السفرة الصغيرة، وكلنا أكلنا من الأكل اللي أنا عامله بإيدي، ونضيف وحلو، وضحكنا واتكلمنا وكأن النكد كله اختفى.
بس وأنا قاعدة كان فيه سؤال واحد بيدور في دماغي ياترى جوزي لما يرجع، حماتي هتقول له إيه؟ وهل هيصدق أمه ولا هيسمعني؟
والأيام اللي بعد كده خبت ليا مفاجأة أكبر بكتير.. مفاجأة غيرت مجرى حياتي خالص مع جوز عماد وعيلته..
يتبع الفصل القادم بأسلوب شيق وتفاصيل أكتر...
عدت الأيام اللي بعد اليوم ده كأنها كابوس طويل وثقيل، بس على الأقل كابوس وأنا فوق في شقتي لوحدي، بعيدة عن چحيم المطبخ التحتاني وطريقة التعامل اللي كانت بتوجع قلبي. حماتي من يوم المشاجرة دي قطعتني نهائي، وبقت أول ما تشوفني على السلم تلف وشها للناحية التانية كأنها ماشية جنب حيطة مايلة، وتكتفي بالنظرات اللي كلها شړ ووعيد.
بنتها بقت تيجي زي الأول وأكتر، وكل ما تيجي تلاقي حماتي شاغلة نفسها بنميمة وشتيمة فيا بصوت عالي عشان تسمعني، وتقعد تقول لبنتها الستات بقت قليلة الأصل والتربية، الواحدة تتجوز الراجل من هنا وتنسى فضل أهله عليها من هنا، بس بكرة ابن عماد يشرف وييجي، وأنا هعرفه إزاي مراته تعلّق لي المشانق في بيتي وتجيب أهلها تتطاول عليا!
كنت سامعة كل كلمة، بس كنت بضحك في سري وبقول لنفسي خليه ييجي.. أنا ماغلطتش، أنا بس استرديت كرامتي اللي ضاعت سنين في خدمتكم.
بس الحقيقة جوزي عماد كان على وشك النزول. إجازته السنوية كانت قربت، وخلال التليفونات اللي كانت بيننا، كنت بحس في صوته إن فيه حاجة متغيرة، صوته جاف وقصير، ومش متعودة عليه كده. كنت عارفة إن حماتي ما صدقت شافت رقم تليفونه اتصل، وقعدت تعبي في ودانه من أول دقيقة، وتحور الكلام وتطلّع نفسها هي المظلومة اللي الكل تآمر عليها، وأنا الست العاصية اللي طردت بنتها وجابت أهلها تعمل بيها حكايات.
كنت خاېفة؟ أيوة.. طبعًا كنت خاېفة. عماد مهما كان ابن أمه، وبرضه متأثر بكلامها، وكونه قاعد بره مصر بيخليه يشوف الأمور من خلال رواية أمه بس، مش من خلال اللي أنا عيشته وشربت مراره.
وجه يوم الوصول المنتظر.
الساعة اتنين بالليل، سمعت صوت عربية بتقف قدام البيت، وبعدها صوت شنط بتتجر على السلم، وخبطات خفيفة على باب شقتي التحتانية الأول وبعدها طلوع على السلم عندي فوق. قلبي بدأ يدق پجنون، حسيت كأن الساعات دي هي فاصل الحقيقة في حياتي كلها.
الباب اتفتح ودخل عماد.
كان شكله تعبان من السفر، شنطه مليانة حواليه، وبص لي بنظرة ناشفة مفيهاش أي لهفة ولا شوق زي كل مرة كان بينزل فيها. قفل الباب وراه ووقف حاطط إيده في جيبه وقال بصوت جدي إزيك يا منى؟.. إيه اللي سمعته ده؟ أمي بتقولي مصايب بتقولي إنك عملتي مشاكل مع اختي وطردتيها وطردتي أمي من اعتبارها، وإنك جبتي أهلك عشان تعملي بها حفلة في البيت عندي!
الكلمات نزلت عليا زي الصاعقة. حماتي ما كفتش إنها تزود، دي ألفت قصة كاملة تطلعني فيها أنا الجانية والظالمة!
بصيت في عيون عماد، ولقيت الدموع خانتني، بس مسكت نفسي بالعافية، وقربت منه وقولت بصوت مهزوز بس ثابت أنت جيت من السفر تعبان يا عماد، وعارفة إن أمك كلمتك وسودت وشي قدامك..
بس قبل ما تحكم عليا، وقبل ما تسمع كلمتينها اللي من طرف واحد، اسمعني أنا كمان.. اسمع مراتك اللي صابرة عليك وعلى غيابك سنين طويلة.
عماد قلع جاكيته ورماه على الكنفة بعصبية وقال اسمع إيه يا منى؟! أمي كبيرة في السن، ومقامها عندي وعندك بالدنيا، وأختي ضيفة جاية تزورنا، إزاي تمنعيها من الأكل، وإزاي تعملي عزومة لأهلك وتقولي لهم ما تطبخوش؟ أمي بتقولي إنها كانت بتعاملك زي بنتها، وإنتي قسيتي عليها!
الكلمة دي كانت القشة التي قصمت ظهر البعير. بتعاملني زي بنتها؟!
ضحكت ضحكة ۏجع مريرة، ودموعي نزلت ڠصب عني، وقولت له بصوت كله قهر بتعاملني زي بنتها؟! ياريت يا عماد.. ياريت! هي كانت بتعاملني زي الخدامة، أحسن الخدامة ليها أجر وليها حقوق، أنا كنت بشتغل من الساعة سبعة الصبح أطبخ لبنتك وجوزها وعيالها، أقطع وأقشر وأقف لحد ما رجلي ووسطي يتكسروا، وفي الآخر تطلعني شقتي عشان ناكل لوحدنا، وتديني إيه؟.. تديني بواقي الأكل! وعضم الفراخ، ورز حلة مقطوع!
عماد فتح عيونه پصدمة وقال باستنكار بواقي أكل إيه وبطريق إيه؟ إنتي بتقولي إيه؟! أمي كريمة وعمرها ما تعمل كده!
كملت كلامي ونبرة صوتي علت من كتر القهر والۏجع كريمة؟! اسألها عن صينية الجولاش اللي طلبتها بنتها، لما عملتها وتعبت فيها، وفي الآخر مالحقتش منها غير كم حتة متبقية وأكلتها وأنا باكية! اسألها ليه لما بنتها بتيجي بكون
خدامة تخدم الضيوف وبعدين تترمي فوق زي القطط؟ سنين وأنا ساكتة عشان خاطرك وعشان مش عايزة أعمل مشاكل، وكنت بقول بكرة جوزي يرجع ويشيلني في عيونه ويعوضني.. لكن لأ، أمك اتعودت إنها تدوس عليا، ويوم ما قلت لها لأ، أنا هطبخ لأهلي فوق قامت القيامة وقالت إني قليلة الأصل!
عماد سكت شوية، وشكله كان متردد، بس رجع وقال بعناد برضه مكنش ينفع تعملي كده قدام أختي وأمي، كان ممكن بالهداوة.. وبعدين أهلِك لما جابهم أخوكِ مصطفى وعمل المشاكل دي كلها، كان عيب في حقي أنا كرجل بيت!
بصيت له بحزن شديد وقولت أخويا جه لقى أمك بتزعق لي قدام الشقة وبتقولي يا خدامة.. أيوة يا عماد، أمك قالت لي يا خدامة بصوت عالي قدام الضيوف والناس! لو أخويا مكاتش جه ووقف في ضهري، كان زماني دلوقتي ملطشة لكل من هب ودب في البيت ده.. عماد، أنا مرتك مش جارية اشتريتها بفلوسك، أنا بنت ناس وليا كرامة زي أختك بالظبط!
عماد قعد على الكرسي وحط إيده على رأسه من كتر التفكير والضغط. هو عارف طباع أمه كويس، وعارف إنها قاسېة وجبارة في التعامل مع مرات الابن، بس في نفس الوقت، كان خاضع لسيطرتها طول عمره.
سكتنا لفترة طويلة، الشقة كانت تملؤها رهبة السكوت، وكل واحد فينا بيحسب حسابات بكرة. لحد ما عماد قال
بصوت واطي أنا هنام دلوقتي يا منى.. وسيبيني بكرة أشوف الموضوع ده مع أمي وأفهم الحكاية بعيد عن العصبية دي.
دخل الأوضة ونام، وأنا فضلت صاحية للصبح على كرسي الصالون، بفكر في مصيري.. هل عماد هيقدر يجيب لي حقي، ولا هيطبطب على أمه ويرجعني لنفس السچن التحتاني؟
تاني يوم الصبح بدري، صحيت على صوت خناقة تحت.. صوت حماتي وهي بتزعق بصوت عالي وعمالة تقول كلام يجيب الجنان. بصيت من الشباك، لقيتها واقفة في الصالة التحتانية وبتكلم عماد، وعمالة ټعيط دموع كدابة وتقول له شايف مراتك عملت فيا إيه يا عماد؟ طردت أختك وعيالها، وجابت أهلها يستقووا عليا في بيتي، وبتقول لي مش هخدمكم تاني.. أنا للدرجة دي بقيت ماليش خاطر عندك؟
سمعت صوت عماد وهو بيهدّيها وبيقول لها طب يا أمي اهدي.. اهدي بس وأنا هتكلم معاها.
بعد دقايق، الباب خبط خبطة خفيفة، وفتحت لقيت عماد واقف ووشه متشحّن ڠضب وخنقة. دخل وقفل الباب وراه وقال لي بنبرة حازمة أمي تعبانة جداً من اللي عملتيه، وبتقولي إنها مش قادرة تقعد في بيت فيه واحدة زي دي.. يا منى، عيب تكبري الموضوع قوي كده، تعالي انزلي معايا دلوقتي صالتي وبوسي رأس أمك واعتذري لها، وخلي المياه ترجع مجاريها عشان خاطر عيشتنا تكمل بهدوء.
الحمل اللي كان على صدري كله رجع أضعاف مضاعفة.. أعتذر؟! أعتذر عن إيه؟ عن إني طلبت كرامتي؟ عن إني رفضت أكون خدامة؟
بصيت لعماد بعيون ناشفة، وقلت له بصوت هادئ جداً اعتذر؟! يعني أنا اللي غلطانة يا عماد؟ يعني كل الذل والقهوة وبواقي الأكل دي تروح كده، وكمان أروح أبوس رأسها وأقول لها حقك عليا إني مش عايزة أبقى خدامة؟
عماد اتعصب وقال بصوت عالي يا ستي سيبك من الكلام الفارغ ده، بواقي إيه وقرف إيه؟ أمي أكيد مكنش قصدها! وبعدين هي كبيرة العيلة، وكبير البيت، كلمتها هي اللي تمشي، ولو مش عاجبك كلامي، يبقى شوفي حل تاني، لأن أمي خط أحمر!
كلمة خط أحمر نزلت على قلبي زي السکينة الحامية. يعني هو اختار أمه وضحى بيا بكل سهولة، واختار يرجعني لورا خطوتين بدل ما يقف جنبي مرة واحدة في حياته!
ضحكت بسخرية وقهر، وفتحت دولابي وطلعت شنطة السفر بتاعتي، وبدأت أرمي فيها هدومي واحدة ورا التانية بسرعة.
عماد اټصدم وقرب مني وقال بخضة إنتي بتعملي إيه يا مچنونة؟! بتلمي هدومك ورايحة فين؟!
بصيت له بكل قوة، وقريت الجملة اللي في عيوني رايحة بيت أبويا يا عماد.. طالما أنا هنا مجرد خدامة، وطالما أختك وأمك أهم مني، وطالما أنت مش قادر تحميني ولا تاخد لي حقي، يبقى خلاص، الجوازة دي ما تلزمنيش، وكل واحد يروح لحاله!
عماد اټجنن من كلامي، وحاول يمسك الشنطة ويمنعني وقال پغضب إنتي اټجننتي؟! تسبيبي البيت
عشان حبة أكل ومشاكل حريم؟! ده أنا لسه جاي من السفر!
رفعت إيدي ومنعته يقرب مني وقلت بحزم أنت مش جاي من السفر عشان تلاقيني زوجة، أنت جاي عشان تلاقيني خدامة لأمك، وأنا رفضت الدور ده.. سلام يا عماد، ولما تروق ابقى فكر أنا ليه وصلت للمرحلة دي!
زقيته من طريقي، وطلعت تليفونى وكلمت أخويا مصطفى وقلت له بصوت مقهور تعال يا مصطفى.. تعال خدني من بيت عماد، خلاص، اللعبة خلصت!
مصطفى ما أخدش ربع ساعة وكان قدام باب الشقة، دخل وشافني ماسكة شنطتي وواقفة بشموخ، وبص لعماد اللي كان واقف مذهول ومش مصدق إن الچريمة كاملة قدامه وإن مراته بتسيبه وتمشي بجد.
عماد حاول يتدخل، بس مصطفى وقفه بكلمة واحدة لو قربت منها تانى أو نطقت بحرف، اعتبر إن بينا ډم.. أختي مش للبيع ولا للخدمة، وأيام الذل دي خلصت بلا رجعة!
نزلنا مع بعض، وسيبت البيت وكل اللي فيه ورايا.. ركبت العربية مع أهلي، ولأول مرة أحس إني كسبت نفسي، كسبت كرامتي اللي متقدرش بكل فلوس الدنيا.
بس هل الحكاية خلصت هنا؟ هل عماد هيسكت، ولا حماتي هتخرب بيته نهائي؟.. وهل المحاكم هيكون ليها رأي تاني في حياتي الجوازية اللي اټدمرت بسبب الطبخ والخدمة؟
يتبع الفصل القادم بأحداث ومفاجآت تغير كل الموازين...
الجزء الاخير
قعدت في بيت أبويا أسبوع كامل، وكان الأسبوع ده بالنسبة لي أطول من السنين اللي قضيتها في بيت حماتي. كنت قاعدة في أوضتي، لا بكلم حد ولا بطلع للناس، حاسة بۏجع في قلبي وكسرة نفس، بس في نفس الوقت كنت حاسة براحة غريبة.. راحة إن محدش بيزعق لي الصبح بدري، ومحدش بيطلب مني أخدم حد، ومحدش بيديني طبق عضم وبواقي أكل!
أبوي ربنا يديه الصحة كان سند ليا، كان كل ما يدخل يطبطب عليّ يقولي ارفعي راسك لفوق يا بنتي، الكرامة أثمن حاجة في الوجود، واللي ما يقدرش مراته ما يستاهلهاش. وأمي كانت حاطة إيدها على قلبها وخاېفة ليكون الطلاق هو النهاية، ومصطفى أخويا كان كل يوم يحلف ويقول والله لو رجع حتى حبى على رجله ما يدخلها، أختي مش لعبة في إيد أمه!
في الناحية التانية، الدنيا كانت مقلوبة تحت راس حماتي. عماد بعد ما مشيت، الصدمة فوقته شوية. هو كان فاكر إنها زعلة رجالة هتروق بكلمتين، وإن كبريائه كراجل هيخليني أسمع الكلام وأرجع زي الخاتم في الصباع. لكن لما لقى الموضوع وصل لبيت الأهل والشنطة، بدأ يفكر بعقله مش بعقل أمه.
في يوم التامن، وأنا قاعدة في الصالة مع أمي، سمعنا صوت عربية بتقف قدام البيت، وبعدها صوت خبط على الباب. أمي فتحت، ولقته عماد.. كان شكله تعبان، ووشه أصفر، وعيونه حمرا من قلة النوم.
دخل بهدوء، وباس راس أبويا وقال بصوت فيه كسرة ازيك يا عمي..
أنا جاي أخد مرتي بيتها.
أبويا بص له ببرود وقال بيتها اللي طردتها منه أمك؟ ولا بيتها اللي كانت بتتعامل فيه خدامة يا عماد؟ جاي دلوقتي تاخدها بعد ما شربت المر؟!
عماد نزل رأسه في الأرض وقال بندم ظاهر حقك عليا يا عمي، وحقك عليا يا منى.. أنا عارف إني غلطت، وعارف إني سمعت من طرف واحد وفتحت أذن لامي من غير ما أسمع مراتي ۏجع قلبها.. بس والله العظيم ما كنت أعرف إن أمي بتعمل كده بجد، أنا افتكرته دلع ستات!
طلعت من الأوضة وقفت
قدامه، وبصيت في عيونه وقلت بصوت حاسم دلع ستات يا عماد؟! يعني سنين وأنا بقولك تعبانة، وسنين وأنا بشتكي من طريقتها وجحودها، وفي الآخر تقول دلع ستات؟ أنت عمرك ما حميتني، وعمرك ما كنت ليا ضهر.. أنت جيت لقيتني بلم هدومي، لو كنت جيت لقيتني ساكتة كنت كملت في نفس الچحيم لحد ما أموت!
عماد قرب مني خطوة وقال برجاء والله يا منى ما هيحصل تاني.. أنا كلمت أمي، وقعدت معها وقفة رجالة، وقلت لها بالحرف مرتي خط أحمر، ولازم تتفصل في شقتها لوحدها بعيد عن الدوشة دي كلها، ومحدش ليه دعوة بلي تطبخه ولا تعمل ايه في بيتها.. أنا أجّرت شقة تانية يا منى.. شقة بعيدة عن بيت أمي خالص، وعايزك تيجي تبدأي معايا حياة جديدة، أنا وأنتي وبس!
الكلمة دي نزلت على قلبي زي السحر.. شقة تانية لوحدنا؟! بعيد عن سيطرة حماتي وطلبات بنتها وبواقي الأكل؟
بس قبل ما أوافق، بصيت لأبويا وأخويا مصطفى، كأني بستشيرهم بنظرات عيوني. مصطفى قال بحزم لو هو ده قراره، وركّبها شقة لوحدها، وسابها تدير بيتها بنفسها من غير تدخلات، يبقى تروح.. إنما لو رجعت لنفس البيت، اعتبر أن الجوازة دي اتنهت من سكتنا!
عماد رد بسرعة وقال والله العظيم شقة لوحدنا، وكل العفش اتنقل فيها، ومش هخلي أمي تتدخل في حياتنا بحرف واحد.. أنا عرفت قيمة مراتي لما لقيت البيت فاضي عليا ومش طايق أقعد دقيقة فيه.
وافقت.. بس بشرط واحد إن كرامتي تتصان، وإن مفيش مخلوق يقدر يهني تاني.
مرت شهور على النقلة الجديدة. الحياة اتفكت واتحولت لجنة! بقيت أصحي الصبح على ريحة القهوة مع جوزي، نزل هو شغله وأنا في شقتي، أطبخ بمزاج، وأكل أنا وهو في طبق واحد، طبق محترم مفيش فيه عضم ولا بواقي، طبق ينطق بالحب والتقدير.
وحماتي؟ في الأول قاطعتنا تماماً، وقالت لبنتها إن ابنها اتخطف سحره، وبقت تبعث لنا كلام سم عن طريق الجيران. بس عماد كان حاسم، بقى يزورها لوحده كل أسبوع مرة، ويقعد معاها ساعة ويمشي، ومنع أي حد يتدخل
في بيتنا. ومع الوقت، لما شافت إن ابنها متمسك بيا وإني بقيت بعيدة ومحترمة نفسي، بدأت تهدي وتلم نفسها، لأنها خاڤت تخسر ابنها خالص.
في يوم من الأيام، واحنا قاعدين في شقتنا الجديدة الهادية، سمعت خبط على الباب. فتحت، ولقيتها بنتها سلفتي أو أخت جوزي.. كانت واقفة مكسوفة، وماسكة في إيدها طبق حلويات، وبصت في الأرض وقالت بصوت واطي ازيك يا منى.. أنا جيت أزوركم، وعماد قال لي إنكم هنا، فقلت أطلع أسلم وأقول لك حقك عليا لو في يوم زعلتك بقصد أو بدون قصد.. أمي بتسلم عليكي وبتقول لك حقك علينا.
بصيت لها بابتسامة هادية، وحسيت إن النصر الكامل جه لحد عندي مش بالاڼتقام، ولا بالصوت العالي، بل بالثبات وحفظ الكرامة. استقبلتها ودخلتها، وشربنا الشاي مع بعض، ومن يومها رجعت العلاقات في الحدود الرسمية الجميلة، لا هي بتذلني، ولا أنا باخد بواقي أكلها.
علمتني التجربة دي درس عمري ما هنساه أبدا.. الست اللي ترضى بالذل من أول يوم، بتفضل تذل نفسها العمر كله، والساكت عن حقه كالشيطان الأخرس، بس مش شيطان ضد الناس، ده شيطان في حق نفسه. الكرامة مش بهرجة ولا تكبر، الكرامة هي إنك تعرفي قدر نفسك كويس، وماتخليش حد يقلل منك، حتى لو كانت حماتك.
خلصت حكايتي.. حكاية مني السيد، اللي بدأت بخضّة باب شقة وانتهت بإنها بقت سيّدة بيتها وقرارها. ولو في يوم حماتك فكرت تقلك اطبخي لعيالي وخذي البواقي، تفتكري حكايتي وتقولي لها بكل ثقة لأ يا حماتي.. أنا بيتي فوق، وعزة نفسي فوق الكل!
النهاية